تُعدّ الجالية اللبنانية في ساحل العاج واحدة من أكبر الجاليات العربية في غرب إفريقيا، إذ يتراوح عدد أفرادها بين 50 و60 ألف شخص.
وتنقسم هذه الجالية بحسب الخبير المتخصص في الشئون الإفريقية سلطان البان إلى عائلات استقرّت عبر أجيال متعاقبة ووافدين جدد يرتبط معظمهم بأنشطة الأعمال.
ومنذ عقود، لعب اللبنانيون دوراً بارزاً في الاقتصاد العاجي من خلال قطاعات النسيج والتجارة والصناعة وتمويل عمليات الاستيراد والتصدير. غير أن تراكم الأزمات السياسية الداخلية – من صراعات على السلطة وانتخابات محتدمة – ترافق معه تصاعد الحساسية المجتمعية تجاه “النفوذ الأجنبي”.
الجالية اللبنانية وأزمة الجنسية
ففي يوليو 2023، أعلنت السلطات العاجية توقيف عشرات اللبنانيين بتهم تتعلق باكتساب الجنسية عن طريق الاحتيال والاتجار بجوازات السفر، ما أثار مخاوف واسعة داخل أوساط الجالية
. وبين أكتوبر ونوفمبر 2025، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حملات تشويه إلكترونية طالت اللبنانيين، شارك فيها بعض المؤثرين المحليين، مثل البوركينابي إبراهيم مايجا، الذين اتهموا اللبنانيين بـ“غزو” الاقتصاد الوطني.

وأسهم ذلك في تأجيج مناخ الكراهية الإلكترونية، خاصة بعد أن دعمت الحملة مقالات ودراسات نشرتها منصات فرنسية وإفريقية، ربطت بين توتر علاقات تحالف دول الساحل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر) مع ساحل العاج، وبين تصاعد المخاوف من نفوذ الجاليات الآسيوية واللبنانية على وجه الخصوص.
وقد أشارت صحيفة *لوموند* الفرنسية إلى أن جوهر هذه الحملة سياسي بامتياز، ويتصل ارتباطاً وثيقاً بالأجواء الانتخابية قبيل الاستحقاق الرئاسي المقرر في أكتوبر 2025. استجابةً لتصاعد التوتر، أصدر الرئيس الحسن وتارا – رئيس ساحل العاج منذ عام 2011 – توجيهات تقضي بإقرار قانون جديد يُجرّم خطاب الكراهية في نهاية أكتوبر 2025، وأنشأ وكالة للأمن المعلوماتي هدفها مكافحة التحريض الإلكتروني وحماية الجاليات الأجنبية.
في المقابل، حذّر القنصل رضا طرابلسي في تصريحات علنية (نوفمبر 2025) من خطورة التصعيد على أمن وأرزاق الجالية، مشيراً إلى أن أعداداً متزايدة من اللبنانيين غادروا البلاد خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. أدت الأزمة إلى إغلاق أو تعثر مئات الشركات اللبنانية الصغيرة والمتوسطة في أبيدجان ومدن أخرى، ما انعكس سلباً على أكثر من عشرة آلاف عامل عاجي ولبناني.
كما شهدت التحويلات المالية انخفاضاً حاداً أثّر في أوضاع الأسر بين لبنان وساحل العاج، في ظل ركود أنشطة التجارة والتجزئة وتراجع السيولة. على الصعيد الاجتماعي، ساد القلق والخوف بين اللبنانيين الذين لم يتمكنوا من المغادرة، خصوصاً النساء والأطفال، فيما تشير التقديرات إلى أن نحو ستة إلى سبعة آلاف شخص غادروا البلادمنذصيف 2025
حماية السوق الإفريقية
. في المقابل، أبدت بعض الحكومات الإفريقية تفهّماً لسياسات “حماية السوق المحلية”، بينما دعا الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة سلطات ساحل العاج إلى الالتزام بالمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الجاليات وحماية الاستثمارات الأجنبية، دون تدخل مباشر حتى الآن.
تشريعات صارمة
ومن المتوقع أن تستمر حالة “التقييد القانوني” على إقامة الجاليات العربية والآسيوية، بما في ذلك اللبنانية، بالتوازي مع تشديد إجراءات منح الجنسية والتراخيص وبل قد يدفع الضغط الاجتماعي والاقتصادي الحكومة الإيفوارية إلى تبني
مزيد من التشريعات الداعمة للتوظيف المحلي وتوسيع نطاق الضرائب المفروضة على الأنشطة الأجنبية. في المقابل، يُرجح أن تلجأ الجالية اللبنانية – بقيادة شخصيات اقتصادية مثل جوزف الخوري – إلى تعزيز جهود الضغط الدبلوماسي للدفاع عن مصالحها، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في لبنان التي تُرفع خلالها شعارات “حماية المغتربين في ساحل العاج.”

. وتجسّد أزمة الجالية اللبنانية عام 2025 تفاعلاً معقداً بين اعتبارات الأمنين الاقتصادي والاجتماعي، والمناخ السياسي المشحون محلياً وإقليمياً.
وتشير التحولات الجاريةوفقا لتغريد الخبير الموريتاني في الشئون الإفريقية سلطان البان إلى توجه نحو سياسات أكثر صرامة تجاه الاغتراب، وهو ما قد ينعكس على استثمارات الجالية ومستقبل وجودها، في ظل الحاجة الملحّة إلى أجواء أكثر استقراراً وشفافية قانونية تحفظ المصالح المشتركة للطرفين






