مقالات

أسامة حافظ يكتب: المستشار عبد الغفار «بقية من الزمن الجميل»

قد لا يأبه الناس لوجوده في زحمة الحياة.. أو قد ينسونه ولا يفتقدونه إذا غاب.. ولكن هناك العين الربانية التي تعرف كل الناس ولا تذهل عن أي منهم.. وتحفظ لكل قدره ومكانه.

ثم هناك أيضا سجل التاريخ الذي يسطر بين صفحاته بحروف النور أولئك الذين أعطوا ولم يبخلوا.. ولم يجعلهم الحرمان يخوضون في المال الحرام.. وقد كان بين أيديهم.. ولم تؤثر فيهم سطوة السلطان.. أو جاه ذوى الجاه.. فعاشوا حياتهم لم يحيدوا عن الحق والعدل واحتفظوا بسجلاتهم صافية نقية.. لم تتدنس بظلم أو خيانة ليتتلمذ الناس على شيمهم وأخلاقهم.

وليدرك أولئك الذين أزعجهم ضجيج الباطل وسطوته أن الدنيا مازالت بخير.. وأن مصر لازالت تلد في كل يوم من أفذاذ الرجال وعظمائهم من يقتدي بهم وإن علا صوت الفساد وشاع بين الناس.

قال المحامي الشهير لابنه المحامي الشاب في ذلك الوقت:

«أتري ذلك الرجل متواضع الملبس الذي يقف على محطة المواصلات العامة ينتظر الركوب مع عامة الناس ولا يملك سيارة يركبها».

قال: «لا».

قال: «إنه قاض من أنزه قضاة مصر.. إنه المستشار عبد الغفار محمد».

قد يعجب القارئ وهو يراني أكيل هذا المديح لرجل قضي بأن أقضي زهرة شبابي خلف جدران السجون أعاني فيها ما عانيت!

فأقول له الحقيقة والإنصاف هما اللذان دفعاني لكي أقول ما قلت.. ولأبرز سيرة هذا الرجل ليستفيد منها الناس.. وليعلم الناس أن مصر ليست الممثلين والممثلات ولاعبي الكرة واللاعبات فقط.. وإنما بلادنا فيها كثير من الرجال العظام ولكنهم غابوا خلف زوايا النسيان وغطي علي أعمالهم ضجيج الرقص والغناء والكرة.

منذ قرابة الثلاثين عاماً كان اللقاء الأول به في محاكمة تعد من أكبر وأصعب القضايا في تاريخ القضاء المعاصر.. وهي القضية التي سماها الإعلام قضية الجهاد الكبرى والتي حوكم فيه أكثر من ثلاثمائة متهم من شتي طبقات المجتمع.

مازالت ذكري هذه المحاكمة وتفصيلاتها حية في مخيلتي طازجة لم تذبل بعد.. كأنما كانت بالأمس رغم مرور هذه السنوات الاربعين.

«إن الحكم إلا لله».. كانت أول ما نستقبل به القاضي عند دخوله إلى قاعة المحكمة نهتف بها ثلاثاً بصوت كالرعد.. فكان يقف وزملاؤه القضاة حتى ننتهي من الهتاف احتراماً لبعض آي القرآن يتردد بين جنبات المحكمة.

وكنا نبدأ الجلسة بكلمة يلقيها أحد الإخوة نشرح فيها دعوتنا ومواقفنا المختلفة من الواقع من حولنا.. فكان ينتظر حتى ينتهي الأخ من قراءتها دون مقاطعة.. ثم يأمر بضم الكلمة المكتوبة إلي محضر الجلسة.. ومن ثم يبدأ بعد ذلك عمله.

كان واسع الصدر.. سريع البديهة وكان يستوعب مواقفنا المتعددة معه.. والتي كثيراً ما كان سوء الفهم أو حماسة الشباب يدفعنا للاشتباك معه.. ثم يعالجها بذكائه وحنكته وسعة صدره.. دون أن يحدث ولا مرة واحدة أن سجلنا في محضر الجلسة شيئاً من تلك المواقف -سجل القاضي العسكري في قضية الاغتيال أكثر من خمس مشكلات منا.. أو من المحامين في محضر الجلسة.. رغم أننا لم نكن في هذه القضية أكثر من 24 متهماً-.

كانت محاضر التحقيق في القضية قد جاوزت الاثنين وعشرين ألفاً.. غير ما أضيف إليها من محاضر الضبط وتقارير الطب الشرعي ومذكرات المحامين ومحاضر الجلسات وعشرات الوثائق المختلفة الأخرى.

وكان يحتفظ بكل ما في هذه الأوراق من مواقف وأحداث في ثنايا ذاكرته فيذكرها أكثر حتي من أكثر المحامين الذين لا يقرأون إلا ما يمس متهميهم فقط.. لم أر في حياتي من هو في مثل ذاكرته واستيعابه وتركيزه.

أدار القضية باقتدار طوال سنوات ثلاث هي عمر المحاكمة.. كان فيها 63 جلسة امتد بعضها إلي ما بعد العشاء.

وقد أعطي فيها الفرصة كاملة لكل سبل الدفاع من دفوع وشهود ووثائق وردود.. حتى أنه فتح باب المرافعة مرة أخري لما طلب بعض المحامين إعادة الدفاع عن بعض ممن لم يأخذوا حظاً كافياً منه.

وذهبنا إلى جلسة النطق بالحكم وقد ارتدي كثير منا ملابس الإعدام الحمراء متحدياً تلك الأحكام المتوقعة.. إذ كنا نتوقع في هذه القضية مذبحة قدرها بعض المحامين بأكثر من خمسة وعشرين إعداماً.. هذا – كما قال أحدهم – لو حكم بما يمليه القانون العادي.

ودخل القاضي واستقبلناه بهتافنا المعتاد.. ثم بدأ يتلو الأحكام والكل سكوت وكان على رؤوسهم الطير.. حتى إذا أدركوا أن القضية ليس فيها ولا إعدام واحد تعالت صيحات التكبير.. ولم نسمع بقية الأحكام التي تليت وسط هذا الضجيج.

كانت المرة الأولي التي يجرؤ قاض أن يلغي الأحكام العسكرية الباتة لأنه رأي أنها مخالفة للقانون.. وبمنتهي الثقة التي استمدها من شرفه ونظافة يده ألغى الأحكام السابقة دون أن يهابها أو يخشى من ينكر عليه.

وكانت هي المرة الأولي وأحسب أنها الأخيرة التي يخرج فيها أهالي المحكوم عليهم بالسجن في مسيرة فرح بتلك الأحكام.

لم تكن هذه القضية هي آخر تواصلنا معه.. فقد دعوناه كمحام بعد إحالته للمعاش ليترافع عن المتهمين في قضية اغتيال المحجوب.. فكان لوجوده وجهوده مع بقية إخوانه المحامين أثر كبير في تفكيك أدلة الاتهام وإسقاط التهم عن المتهمين.

ثم كانت زيارتنا الأخير لبيته منذ بضعة شهور ففوجئنا ببساطة أثاث البيت والذي أحسب أنه لم يتجدد منذ تزوج واشتراه منذ أكثر من نصف قرن.. أو على الأقل هذا ما تنبئ به حال الأثاث المتهالك الذي كان يرقد عليه الرجل.

لقد وجدته رغم بساطة حاله والأمراض التي تثقل جثمانه الواهي يستمتع بما أنعم الله عليه من أمانة ونزاهة ورضا عن الله.. ذهنه ما زال حاضراً وتركيزه مازال عالياً.. يذكر بدقة وتفصيل ما كان من دقائق هذه القضية الضخمة وكأنما قرأها بالأمس فقط.. ويحمد الله أنه اجتهد ألا يظلم أحداً.. وأكد في حيثيات الحكم أنه إزاء الحكم بالشريعة في حكم المضطر شرعاً والملزم قانوناً أن يحكم بما ألزم من قوانين.. والتي اجتهد أن يسخر تلك القوانين لتحقيق أقصي ما يمكن من عدل.

شاهدنا فيه وفي بيته بقايا الزهد في الدنيا وزينتها.. وشموخ وكبرياء الإنسان النظيف الذي يقترب من الموت وهو يشعر أنه أدي ما عليه واجتهد ألا يدخل طعامه ولباسه وبيته المال الحرام.

ثم ها هو يغادر الدنيا وقد ترك في نفوسنا معالم الأثر «الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة».. وليترك فيها الاطمئنان إلي أن بلادنا لازال فيها رجال لم يخضعوا لإغراء الفساد.. وعاشوا لا ينعمون بشيء من متع الدنيا إلا بالرضا عن الله والطمع في رضاه وكفى بها نعمة.

رحم الله القاضي الجليل وأسكنه فسيح الجنان

إنه بقية من الزمن الجميل

أسامة حافظ

رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية - مصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights