الحرب على إيران ليست عملية عسكرية محدودة، ولا ضربة «استباقية» بالمعنى الذي يجيزه القانون الدولي. إنها حرب عدوان شاملة تفتقر إلى أي غطاء شرعي أو إطار قانوني دولي معترف به.
فميثاق الأمم المتحدة، في مادته الثانية الفقرة الرابعة، يحظر صراحة استخدام القوة أو التهديد بها ضد سيادة الدول أو سلامة أراضيها، إلا في حالات الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح قائم، أو بقرار صريح من مجلس الأمن. ولا ينطبق أي من هذين الشرطين على ما يجري اليوم.
إنها حرب صفرية بامتياز، تُخاض بمنطق القرون الوسطى وعصابات الكاوبوي، حين لم يكن المنتصر يقبل إلا بشيء واحد: الاستسلام الكامل، بكل ما يعنيه من التنازل عن السيادة، وتسليم الثروات، والتخلي عن القرار الوطني المستقل.
وهذا الخيار ليس مطروحًا، لا دينيًا ولا قوميًّا، من الجانب الإيراني، الذي يعتز بكونه شعبًا ضارب الجذور في التاريخ. وإذا كانت حركة مقاومة صغيرة في غزة، لا تملك سوى أدوات محدودة قياسًا بخصومها، قد رفضت رفع الراية البيضاء لأكثر من عامين من القتل والإبادة والتدمير، فمن باب أولى أن ترفضها دولة بحجم إيران.
هذه المعادلة الصفرية تحوّل الحرب تلقائيًا من حرب تستهدف أهدافًا عسكرية إلى حملة تدمير ممنهج للبنية التحتية والمؤسسات المدنية، وهو ما يُعد جريمة صريحة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني.
أما الطرف الإسرائيلي، فلا تحركه الحسابات الأمنية وحدها. فهناك ما هو أعمق وأكثر خطورة، يتمثل في خطاب ديني-عنصري يستحضر القصص التوراتية عن «العماليق» ليُضفي شرعية على الإبادة الكاملة للخصم، بوصفها انتصارًا تاريخيًا وتحقيقًا لنبوءات مقدسة.
وهذا الخطاب يعني عمليًا أن الهدف ليس البرنامج النووي ولا الصاروخي، بل سحق إمكانات شعب بأكمله وتدمير مدنه، في الوقت الذي يقدّم فيه أصحاب هذا المشروع أنفسهم باعتبارهم “محرِّرين”.
الخطر الأكبر الذي بات يتضح هو أن هذه الحرب تُنذر بانزلاق وتصعيد لا يمكن ضبط مساره؛ تصعيد قد يمتد ليشمل أطرافًا إقليمية متعددة، ويجذب قوى دولية كبرى إلى مستنقع من الأزمات المتشابكة وتداعياتها الكارثية على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
ولا سيما بعد أن استنجد ترامب بعدد من دول العالم ودعاها إلى إرسال أساطيلها إلى المنطقة بذريعة إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، في اعتراف ضمني بعجزه عن إدارة المواجهة منفردًا، رغم تصريحاته السابقة بأنه لا يحتاج إلى أحد.
وفي ظل عجز المجتمع الدولي، ممثلًا في مجلس الأمن، عن القيام بدوره، فإن استمرار التدهور قد يفتح الباب أمام احتمال لا يمكن تجاهله: اللجوء إلى أسلحة الدمار الشامل، وما يعنيه ذلك من مخاطر كارثية على المنطقة والعالم.
ترامب، الذي طالما تفاخر بأنه أوقف الحروب، وأسّس قبل أيام ما سماه “مجلس السلام”، يتباهى في حديثه مع شبكة NBC News -بكل استخفاف- بأن الضربات الأمريكية على جزيرة خرج “دمّرت معظمها بالكامل”، ويتقمّص دور رجل العصابات حين يقول:
«قد نضربها بضع مرات أخرى… لمجرد المرح».!!!
هذا ليس خطابًا سياسيًا مسؤولًا.
هذا خطاب نيرون الذي جاء ليحرق روما؛ خطاب طاغية يملك فائض قوة ويتعامل مع أرواح الناس وثرواتهم ومنشآتهم كما لو كانت لعبة فيديو.
الحروب الظالمة لا تبني أمنًا، بل تزرع الأحقاد وتُنتج فوضى لا نهاية لها.
والتاريخ لم يرحم يومًا من اعتقد أنه يستطيع إخضاع الشعوب بالقوة المجردة.


