ما جرى في البرازيل وصربيا يحكي قصتين مختلفتين في انتصار إرادة الشعوب، تستحقان التوقف عندهما.
فالدولة ليست مطية للجنرالات، ولا ملكية خاصة لطاغية يريد احتكار الحاضر والمستقبل، كما يفعل السيسي في مصر.
حين يتمسك الناس بحقهم في الاختيار، وينزلون بكثافة إلى صناديق الاقتراع، يستطيعون قلب الحسابات والتوقعات.
في البرازيل، حقق لولا دا سيلفا مفاجأة كبيرة وفاز بولاية رئاسية رابعة، رغم خسارته الجولة الأولى أمام فلافيو بولسونارو بفارق تجاوز مليوني صوت.
لكن المشهد انقلب في الجولة الثانية.
خرج البرازيليون بكثافة أكبر يدافعون عن حقوقهم، وانتهت الانتخابات بفوز لولا بأكثر من 51% من الأصوات، وبفارق يقارب 4.4 ملايين صوت.
وشهد يوم الاقتراع أمس أزمة حقيقية، بعد شكاوى واتهامات لبعض السلطات المحلية بتعطيل أو تقليص حركة النقل العام، بما أعاق وصول ناخبين إلى مراكز الاقتراع. ووصل الأمر في سلفادور إلى صدور أمر باعتقال مسؤول النقل بعد منع عشرات الحافلات من مغادرة مرائبها.
وأمام هذه التطورات تدخلت المحكمة العليا ومددت الاقتراع ساعتين على مستوى البلاد، بعد طلبات من الحملتين لأسباب مختلفة.
وفي النهاية فاز دا سيلفا وخسر حليف ترامب كما خسر والده من قبل امام لولا!!
وفي صربيا.. الطلاب يصنعون المفاجأة والتاريخ!!
هناك لم تبدأ القصة بحزب سياسي عريق، ولا بزعيم معارض مخضرم، وإنما بالطلاب.
فقد بدأت احتجاجاتهم بعد كارثة محطة قطارات نوفي ساد في نوفمبر 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية في المحطة، ما أدى في النهاية إلى وفاة 16 شخصًا. فخرج الطلاب مطالبين بالمحاسبة وتحول حراكهم إلى حركة شعبية واسعة ضد الفساد وغياب المساءلة.
ولم يكتف الطلاب بالتظاهر، فقد خرجوا من الجامعات إلى الشوارع، ومن المدن إلى القرى، وحوّلوا الاحتجاج إلى تنظيم، والتنظيم إلى بديل انتخابي.
شكلوا «قائمة الطلاب» تحت شعار «الطلاب يفوزون»، وقدموا 250 مرشحًا من خارج الطبقة السياسية التقليدية؛ بينهم أساتذة جامعات وأطباء ومحامون وفنانون ومزارعون.
وفي مواجهتهم كان ألكسندر فوتشيتش، الرجل الذي هيمن على السياسة الصربية لأكثر من عقد، رئيسًا للوزراء ثم رئيسًا للجمهورية، وكان يسعى للعودة لرئاسة الوزراء من جديد بعد ان انتهت ولايته، واجهت سلطته اتهامات متكررة بالفساد وتراجع الحريات والسلطويّة.
ذهب الصرب إلى الانتخابات بمشاركة قاربت 70%، وهي من أعلى نسب المشاركة منذ تفكك يوغوسلافيا ليصنعوا التغيير.
وكانت النتيجة مذهلة، فقد اعترف فوتشيتش بنفسه بالهزيمة، فيما تشير النتائج الأولية إلى حصول قائمة الطلاب على الأغلبية في البرلمان.
الشعوب لا تحافظ على حقوقها بالتمني، ولا تصنع التغيير بالمشاهدة عن بُعد.
في البرازيل، نزل الناس بكثافة إلى الصناديق فقلبوا نتيجة الجولة الأولى.
وفي صربيا، بدأ الطلاب باحتجاج على الفساد، ثم نظموا أنفسهم، وطرقوا أبواب الناس، وقدموا بديلًا، وذهبوا إلى الانتخابات، وأسقطوا عبر الصندوق سلطة هيمنت على بلادهم لأكثر من عقد.
والقاسم المشترك هو وجود عقد اجتماعي يُحترم، وانتخابات حقيقية يقبل الجميع بنتائجها، ومؤسسات دولة تخضع للقانون، بدلًا من احتكار السلطة بالقوة والانقلاب وأدوات القمع.
لا يوجد حاكم يقول لشعبه: «ما تسمعوش كلام حد غيري»، ثم يعتبر كل صاحب رأي مخالف إرهابيًا أو متآمرًا أو عميلًا!
والمفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها في مصر أن طلاب صربيا فعلوا كل ذلك من دون أن يدخلوا «أكاديمية عسكرية» لتأهيلهم للحكم، ومن دون أن تختار لهم مؤسسة فوق الشعب مَن يصلح للسياسة ومَن يصلح لرئاسة البلاد!
لم يحتج الصرب إلى وصاية عسكرية تخبرهم بمن يحق له ممارسة السياسة، ولا إلى سلطة تمنح المواطنين شهادات في الوطنية قبل السماح لهم بالترشح.
الطلاب تحركوا.. والشعب اختار.. والصندوق حسم.
وهذه تحديدًا هي الفكرة التي ترعب السيسي الذي جند كل موارد مصر في مواجهة الشعب لقمعه وحمله على الاستسلام للاستبداد، مرعوب من أن يخرج الشعب من موقع المتفرج، ويتمسك بحقوقه، ويقرر بنفسه من يحكمه.
فالشعوب ليست قاصرة ولا تحتاج إلى أوصياء عليها.
الشعب هو صاحب البلد؛ هو الذي يمنح السلطة، وهو الذي يملك الحق في سحبها.
والديمقراطية لا تضمن أن يختار الشعب دائمًا ما يراه الآخرون صحيحًا، لكنها تضمن له حقه في أن يختار، وأن يراجع اختياره، وأن يحافظ على مكتسباته أو يقرر التغيير.
وفي النهاية.. حين تقرر الشعوب، لا تحتاج إلى إذن من أحد.







