وَجَاءَ الـمَسَاءُ وَوَقتُ الغُرُوبْ/
وَكُلٌّ لأهلٍ بِشَوقٍ يَؤوبْ/
وَليْثٌ يَعُودُ ولكن بخَوْفٍ/
وَهَذا بربي لشيءٌ عَجيب/
ألَيْثٌ يَخَافُ فَمِمَّ وَكَيفَ؟/
وَيَجري إلى البيتِ يَطوي الدُّروب/
وَقَفتُ بَعيدًا أقولُ لَعَلِّي/
لِسُؤلي وَلهفي أُلاقِي المجيب/
كَأنِّي سَمعتُ بُكَاءً وَصَوتًا/
يَقولُ: رَهيبٌ و رَبِّى رَهيب/
أأنتَ بخَيْرٍ أجِبْني صَغيري/
وَتَمضي الدُّموعُ وَيَمضي النَّحيب/
يُجيبُ الصَّغيرُ أبي كَيفَ أنتَ؟/
فِداكَ حَيَاتي، فأنتَ الحَبيب/
وَيَمسَحُ عَن وَجنَتيهِ الدُّمُوعَ/
فمَا اسطَعتُ مَسحَ دُمُوعَ القُلُوب/
بَصُرتُ بِهَولٍ بقلبِ الصَّبيِّ/
كَأنَّ الجَميلَ بِقلبِ الَّلهيب/
**********
أبِي كَيْفَ أنتَ بِرَبِّي أجِبني/
وَيَصرُخُ: أمِّي أَبِي هل يَغيب؟/
أغيثيه أمي، أبي لا يَرُدُّ/
عَلا الوَجهَ صَمْتٌ، عَلاه الشُّحُوب/
أغيثيه أُمِّي، فَكَيفَ الحَيَاة/
بِدونِ الحبيبِ فَضَائي كَئيب/
فقالتْ بُنَيَّ: أبوكَ حَيَاتي/
فهَيَّا وَأحضِر إلينَا الطَّبيب/
وَعَادَتْ تَقُولُ: شَريكَ حَيَاتي/
فُؤَادي يَئِنُّ وَعَقلي سَليب/
خَرَجتَ مُنَايَ وَأنتَ كَبَدرٍ/
وَلا غَروَ أنتَ الحَسيبُ النَّسِيب/
وَعُدتَ إليَّ بِمَا لستُ أدرِي/
هَزيلًا حَزينًا وَهَذا مُريب/
تَكَلَّمْ حَبيبي فِدَاكَ وُجُودِي/
فَأنتَ الحَيَاةُ وَأوفي النَّصيب/
**********
فَعَادَ الغُلامُ بطَرفةِ عَينٍ/
وَيلهَثُ يَجري.. وَمَعْهُ الطَّبيب/
فَصَاحَ الطَّبيبُ: إلهِي أَعِنِّي/
فَزَيْنُ الأُسُودِ طَريحُ الخُطُوب/
عن الوَعي غَابَ، فَهَل مِن وَريدٍ/
لَعَلَّ الدَّواءَ يُزيلُ الكُرُوب/
وَبعدَ ابتِهَالٍ وَطُولِ عَنَاءٍ/
وَكَانَ الوَريدُ يُريدُ الهُرُوب/
إذَا بِالمريضِ بِصَوتٍ خَفيضٍ/
يقُولُ: تَمَنيَّتُ ظَنِّي يَخيب/
يكُونُ خَيَالًا وَأضغَاثَ حُلمٍ/
مَعَ الفَجرِ يَمضِي أمَامي يَذُوب/
بُنَيَّ صُعقتُ لمَا قَد رَأيتُ/
فَخلتُكَ حَمزةَ.. ابنَ الخَطيب/
**********
رَأيْتُ السَّماءَ بثوبِ حِدادٍ/
وَبَدرٌ يَزُولُ وَشَمسٌ تَغيب/
كَأنَّ الجِبَالَ تَئِنُّ وَتَهوِي/
وَعَرشُ الإلهِ يَقُولُ: عصيب/
وَيَهتَزُّ حُزنًا يُنادي عَلَيهم/
أيَا آلَ حَمزَةَ رَبِّي رَقِيب/
يَقُولُ سَلوني بِصِدقٍ أُجِبْكُم/
وَلو بَعْدَ حِينٍ فَنَصري قَريب/
وُحُوشٌ أرى؟ بَل تَئنُّ وُحُوش/
من المُجرمينَ وَليْث غَضُوب/
وعبر العصور دروس تجلَّت/
فَلَمْ تُغْنِ عَنهُم فَمَا مِن لَبِيب/
نَذيرٌ أَتَاهُم وَليسَ بَعيدًا/
فَتُونُسُ، مِصرُ عَلَيْهم تُجيب/
فَيَأبَى الجَهُولُ بِدِرعَا وليبيا/
وَيَأبَى الَّذي مِثلُهُم في الجَنُوب/
فَينهَشُ حُلمًا فَتِيًّا تَرَاءى/
عَلَى الأمنياتِ يَشِنُّ الحُرُوب/
فَتَصرُخُ صَرعَى.. إلهِي أَغِثْنَا/
فَهذَا وَليدي احتواه الـمَشِيب/
فَمَا قَدَّروكَ إلَهِي فَجَاروا/
وَغَاصُوا افتراءً بِبَحرِ الذُّنُوب/
تَرَانِي (بُنَيَّ) كرهتُ حَيَاتي/
وَيَومًا عَبُوسًا فَكَيفَ أَثُوب/
كَرِهتُ أعيشُ لِيَومٍ كَهَذَا/
فَيَحمِلُ إسمي حَقُودٌ كَذُوب/
فَلَستُ بِتِلكَ البَشَاعَةِ كَلَّا/
وَلَيسَتْ نُيُوبي كَتِلكَ النُّيُوب/
**********







