في وقت تتأهب فيه القارة العجوز لاستقبال موسم التدفئة خلال شهرين فقط، تقف الحكومات الأوروبية على حافة أزمة طاقة غير مسبوقة بعدما تراجعت مخزونات الغاز الطبيعي إلى مستويات متدنية لم تشهدها منذ نحو عقدين من الزمان.
فقد تسببت تداعيات الحرب الراهنة في الشرق الأوسط واضطراب الإمدادات عبر الممرات المائية الحيوية في اشتعال الأسعار بمستويات قياسية لعام 2026.
أجهض ذلك الحافز الاقتصادي لدى شركات التداول والمرافق لضخ وتخزين الغاز خلال فصل الصيف.
وتضع هذه المأساة التمويلية عواصم التكتل في مواجهة خيارات قاسية ومكلفة تفادياً للسقوط في مصيدة الانقطاعات الحادة وارتفاع الفواتير إلى مستويات جنونية في ذروة الصقيع.
شلل التخزين
تكشف الأرقام الرسمية الصادرة مطلع أغسطس عن تراجع نسبة امتلاء مرافق التخزين في الاتحاد الأوروبي إلى 57.1% فقط، وهو المستوى الأضعف موسمياً منذ بدء تدوين البيانات في عام 2009.
وفي الحجم الفعلي، لم تتجاوز المخزونات المتاحة 645.4 تيراواط/ساعة، وهو القاع الأدنى منذ أزمة قطع الإمدادات الروسية عام 2021.
وتترجم هذه المعدلات حالة الشلل التي أصابت عمليات التعبئة؛ إذ انخفض صافي الكميات المضافة خلال شهر يوليو بنسبة 21% مقارنة بالعام الماضي، ليصبح الشهر الأضعف في تكوين المخزون منذ عام 2020.
شراسة المنافسة
تسببت التوترات العسكرية والإقليمية في تعطل نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال المتداولة عالمياً، مما أشعل سباقاً محموماً بين الدول الآسيوية لاقتناص أي شحنات متاح عوضاً عن النقص الحاصل.
وأدى هذا التكالب الاستيرادي إلى انحراف مسار معظم ناقلات الغاز الطبيعي المسال بعيداً عن الشواطئ الأوروبية منذ شهر أبريل، باستثناء إيطاليا التي تمكنت من الاستمرار في المحافظة على وتيرة التخزين بفضل حزم الحوافز الصارمة والشروط الإلزامية التي فرضتها سلطاتها الوطنية.
كوابيس الأسعار
تجد حكومات ألمانيا وهولندا وبلجيكا وسلوفاكيا نفسها تحت وطأة ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة لحسم ملف التدخل المباشر ودعم عمليات التخزين على نفقتها الخاصة في ظل بقاء الأسعار مرتفعة بنحو 80% مقارنة بمستوياتها السابقة.
ورغم الانفراجة اللحظية وهبوط الأسعار إلى 58.64 يورو لكل ميغاواط/ساعة عقب الأنباء الدبلوماسية حول الملاحة في الخليج، فإن مؤسسات التقييم المالي وفي مقدمتها “غولدمان ساكس” تحذر من القفز لمستوى 100 يورو للشتاء المقبل، ما يعني مضاعفة التكلفة والعودة لأجواء الذروة الاستثنائية.
مستقبل الأمن التمويني
تثبت معطيات الأزمة الراهنة أن أوروبا باتت محاصرة بتبعات الصراعات الإقليمية التي تجاوزت حدود الجغرافيا لتضرب أمن الطاقة في الصميم لعام 2026.
إن التكاسل عن ملء الكهوف والأنفاق الملحية بالغاز خلال الصيف سيضع التكتل تحت رحمة التقلبات الجيوسياسية المباشرة، ويجبر الحكومات على الدفع المسبق لأسعار خيالية لاقتناص الشحنات البحرية، مما يجعل الشتاء المقبل اختباراً حقيقياً لمدى صمود الاقتصاد الأوروبي وقدرته على تحمل الصدمات المتتالية.


