دخلت الأسهم الأمريكية منطقة “الجمود الحذر” مع إغلاق تداولات الأسبوع، حيث يجد المستثمرون أنفسهم عالقين بين مطرقة التهديدات السياسية العنيفة وسندان بيانات التضخم التي أحرقتها نيران الحرب.
فبينما يلوح في الأفق طيف “هدنة هشة” في الشرق الأوسط، لا تزال الأسواق تترنح تحت وطأة تصريحات دونالد ترامب الصادمة وإصرار طهران على إغلاق شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز او تقييد استخدامه.
إنها عطلة نهاية أسبوع لا تشبه غيرها، حيث يفضل المال “الجبان” التريث، بانتظار ما ستسفر عنه كواليس المفاوضات التي قد تعيد رسم مسار الاقتصاد العالمي، إما نحو انفراجة تاريخية أو ركود تضخمي لم تشهده القارة العجوز والولايات المتحدة منذ ثمانينيات القرن الماضي.
قفزة البنزين تضرب معقل المستهلك الأمريكي
أحرجت بيانات وزارة العمل الأمريكية آمال التهدئة، حيث كشف تقرير التضخم الأخير عن أكبر زيادة شهرية في أسعار المستهلكين منذ قرابة أربع سنوات.
ولم تكن هذه القفزة محض صدفة، بل جاءت مدفوعة بضغوط “حرب الطاقة” التي تسببت في اشتعال أسعار البنزين بنسبة مرعبة بلغت 21.2%.
ورغم أن التضخم الأساسي (الذي يستبعد الغذاء والطاقة) جاء أقل من المتوقع، إلا أن ماري دالي، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، وجهت رسالة قاتمة للأسواق، مؤكدة أن “صدمة النفط” ستجعل من مستهدف التضخم عند 2% حلمًا بعيد المنال في المدى المنظور، مما يعني استدامة معدلات الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
هرمز والهدنة المترنحة
على الصعيد الجيوسياسي، بقيت الأسواق في حالة ارتباك مع استمرار طهران في إغلاق مضيق هرمز، مشترطةً وقفاً كاملاً لإطلاق النار في لبنان والإفراج عن أرصدتها المجمدة للعودة إلى طاولة الحوار بخصوصها.
وبحسب وكالات الأنباء العالمية، تعرضت الهدنة التي استمرت أسبوعين لخروقات ميدانية تمثلت في غارات إسرائيلية على لبنان، رغم غزل نتنياهو السياسي تجاه بيروت.
هذا التوتر انعكس مباشرة على ثقة المستهلكين التي هوت، وفقًا لتقرير جامعة ميشيغان، إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، في هبوط تاريخي للتوقعات لم تشهده الولايات المتحدة منذ ذروة الأزمات الاقتصادية في مايو 1980.
التكنولوجيا تغرد منفردة والبنوك تحت المجهر
في قاعة التداول، رسمت المؤشرات لوحة متباينة؛ حيث قاد قطاع التكنولوجيا مؤشر “ناسداك” للصعود بنسبة 0.35% مستفيداً من الزخم الهائل لشركات أشباه الموصلات، وعلى رأسها شركة “TSMC” التي تجاوزت توقعات الإيرادات، وسهم “CoreWeave” الذي حلق باتفاقيات الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، نال الحذر من مؤشر “داو جونز” الذي تراجع بنحو 0.59%، و”ستاندرد آند بورز 500″ الذي فقد 0.10%. ويرى المحللون في “Argent Capital Management” – شركة عالمية تتيح فرص استثمار متميزة- أن هذا التراجع في نهاية الأسبوع هو نمط دفاعي كلاسيكي للمستثمرين الذين يخشون تدفق أخبار “دراماتيكية” خلال فترة إغلاق الأسواق السبت والأحد.
هل تنقذ “الأساسيات” ما أفسدته السياسة؟
مع اقتراب موسم نتائج الربع الأول، تتوجه الأنظار نحو كبرى البنوك الأمريكية الأسبوع المقبل، حيث يراهن خبراء استراتيجيون على أن تعيد نتائج الشركات التركيز إلى “أساسيات الأعمال” بعيداً عن ضجيج الحرب.
ورغم الاضطرابات، سجلت المؤشرات الثلاثة مكاسب أسبوعية إجمالية، مدفوعة بآمال الهدنة التي برزت بعد تصريحات ترامب العنيفة.
الصمود امام فاتورة الطاقة
وتتوقع بيانات بورصة لندن نمو أرباح شركات S&P 500 بنحو 13.9%، مما يضع السوق أمام سؤال: هل تستطيع أرباح الشركات الصمود أمام فاتورة الطاقة المرتفعة وانهيار ثقة المستهلك؟
يؤكد مديرو المحافظ العالمية أن وول ستريت تعيش حالياً على “أجهزة التنفس الاصطناعي” للدبلوماسية؛ فأي خرق واسع للهدنة أو تعثر في مفاوضات فتح مضيق هرمز سيحول التراجع الطفيف يوم الجمعة إلى موجة بيع ذعري.
إن الأسواق قد استوعبت “صدمة النفط” جزئياً، لكنها لم تستوعب بعد احتمالية تحول النزاع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وهو ما قد يجبر الفيدرالي على اتخاذ إجراءات نقدية أكثر قسوة، مما يجعل من أرباح شركات التكنولوجيا “جزيرة معزولة” في محيط من التحديات الاقتصادية الكلية.


