في خِضَمِّ التنافس الدولي المحتدم على أفريقيا، تبرز شراكة غير متوقعة بين عملاقين هما الولايات المتحدة التي تخسر نفوذها التقليدي، وتركيا التي تمدّ خيوط إستراتيجيتها الجديدة.
ليس هذا مجرد تعاون تكتيكي عابر، بل هو رقعة شطرنج كبرى تعيد تشكيل التحالفات الدولية، حيث تتصارع المصالح وتتقاطع في قارة أصبحت ساحة للمعركة العالمية القادمة.
فهل نشهد تحولاً في موازين القوى؟ وهل يمكن لهذا التحالف أن يصمد أمام تحدياته الداخلية وأسئلة المستقبل المصيرية؟
الدوافع الخفية.. لماذا تتعاون واشنطن وأنقرة؟
الولايات المتحدة .. تسعى لمواجهة النفوذ الصيني والروسي لتعويض التراجع النسبي في نفوذها بأفريقيا، خاصة مع التمدد الصيني عبر مبادرة “الحزام والطريق” والحضور العسكري الروسي المتنامي، وتُعد تركيا حليفًا إقليميًّا قادرًا على اختراق مناطق نفوذ الخصوم بفضل علاقاتها الممتدة وديبلوماسيتها النشطة.
تركيا.. تبحث عن عمق إستراتيجي جديد، حيث تريد أنقرة تحويل نفسها من قوة إقليمية إلى لاعب دولي، وأفريقيا تمثل ساحة مثالية لتوسيع نفوذها الاقتصادي والديني والثقافي، والتعاون مع أمريكا يمنحها شرعية دولية ويدعم طموحاتها كقوة عظمى ناشئة.
المصلحة المشتركة: مكافحة الإرهاب
تشكل الجماعات المتطرفة في الساحل الأفريقي والصومال تهديدًا للأمن القومي للطرفين، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون الأمني أصبح ضرورة حتمية لمواجهة هذا الخطر المشترك.
ساحة التنافس.. هل تتحول الشراكة إلى صراع؟
على الرغم من التعاون السياسي، تتنافس الشركات الأمريكية والتركية على الصفقات الكبرى في البنى التحتية والطاقة والتعدين. وقد تتحول هذه المنافسة الاقتصادية إلى خلافات سياسية مع توسع النفوذ التركي على حساب المصالح الغربية.
الاختلاف الأيديولوجي
تروج واشنطن للنموذج الليبرالي الديمقراطي، بينما تقدم أنقرة نفسها كنموذج للدولة الإسلامية المحافظة الديمقراطية، هذا الاختلاف قد يخلق تصادمًا في مناطق النفوذ على المدى الطويل.
علاقات تركيا المثيرة للجدل
تعقد أنقرة شراكات مع أطراف تعتبرها واشنطن معادية، مثل روسيا، مما يثير شكوكًا حول مدى مصداقية التحالف وحدود الثقة بين الحليفين.
مستقبل التحالف.. نجاح أم فشل؟
عوامل النجاح: المصلحة المشتركة في استقرار أفريقيا ومكافحة التطرف، والتكامل النسبي في القدرات (التمويل الأمريكي والخبرة التركية الميدانية)، وحاجة الدول الأفريقية لبدائل عن القوى التقليدية
تحديات الانهيار: تزايد المنافسة على النفوذ بين الطرفين، وعدم استقرار السياسة الخارجية الأمريكية وتقلبها، واحتمال تحول تركيا إلى منافس مباشر أكثر من كونها شريكًا.
إن التحالف الأمريكي التركي في أفريقيا يشبه باخرة تسير في مياه مضطربة.. قادرة على الوصول إلى شواطئ جديدة، لكنها تواجه خطر الغرق في أي لحظة، فنجاحها مرهون بقدرة الطرفين على تحقيق توازن دقيق بين التعاون والمنافسة، وبقدرتهما على تقديم نموذج تنموي حقيقي لأفريقيا يتجاوز منطق الاستغلال التقليدي، فالمعادلة صعبة، لكن رهاناتها تستحق المخاطرة في معركة إعادة تشكيل العالم.
أفريقيا هي الورقة الرابحة في العلاقات الأمريكية التركية
وقال ليام كار رئيس سابق لفريق أفريقيا في مشروع التهديدات الحرجة التابع لمعهد أميركان إنتربرايز في واشنطن، إن العلاقات التركية الأمريكية تشهد مرحلة انتعاش واضح بعد اللقاء الأخير بين الرئيسين دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان.
وأوضح كار في تصريحات لوكالات، أن هذا الانتعاش يفتح الباب أمام تعاون ثنائي واسع يشمل تعزيز الروابط الاقتصادية وصفقات مقاتلات إف 35 بالإضافة إلى تنسيق السياسات within حلف شمال الأطلسي ناتو والملفات الشرق أوسطية
ولكن كار شدد على وجود مجال استراتيجي حيوي تستطيع واشنطن وأنقرة التعاون فيه ويحظى بأهمية متزايدة وهو الساحة الأفريقية.
تعزيز الحضور
وأشار الخبير الأمريكي إلى أن تركيا عملت على مدى العقدين الماضيين على تعزيز حضورها في أفريقيا عبر الدبلوماسية النشطة وزيادة حجم التجارة والاستثمارات في قطاعات حيوية مثل البنية التحتية والطاقة والتعدين والنسيج بالإضافة إلى تصدير المسيرات التركية التي أصبحت مطلوبة في العديد من الأسواق العالمية.
مكافحة الارهاب
وبحسب رأي ليام كار، فإن مجال مكافحة الإرهاب يبرز كأهم مجالات التعاون الممكنة بين البلدين في أفريقيا حيث يقدمان معا الدعم والتدريب العسكري لكل من الصومال ودول غرب أفريقيا لمساعدتها في مواجهة تنظيمات التطرف العنيف.
ورأى كار أن تعزيز هذا التعاون يمكن أن يتم عبر آليات محددة تشمل تقاسم الأعباء المالية والعسكرية وتنسيق الجهود على الأرض وتبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة بالإضافة إلى سد النقص الحاصل في المعدات غير القتالية التي تحتاجها القوات المحلية.
توازن استراتيجى
كما أبرز كار دور تركيا المحتمل كعنصر توازن استراتيجي في مواجهة النفوذ المتصاعد لكل من روسيا والصين في القارة الأفريقية، مشيرا إلى أن موسكو استغلت تراجع النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل لتعزيز وجودها كشريك أمني بديل وهو ما أضر في النهاية بالمصالح الأمريكية المشتركة في مكافحة الإرهاب.
لاتطابق كامل بين مصالح الطرفين
وفي الوقت نفسه نصح كار واشنطن بأن تتعامل بواقعية مع حدود هذه الشراكة محذرا من أن المصالح التركية في أفريقيا لا تتطابق بالكامل مع الأهداف الأمريكية الاستراتيجية الخاصة باحتواء النفوذين الروسي والصيني في القارة.
غير أن الخبير الأمريكي عاد ليشير إلى نقطة التقاء مهمة مع تركيا تتمثل في سعي أنقرة إلى تقليل اعتمادها على استيراد الطاقة من روسيا عبر تنويع مصادرها الأفريقية وهو هدف يتقاطع مع الاستراتيجية الأمريكية.


