يشهد الفن التشكيلي العراقي في السنوات الأخيرة حراكاً متجدداً تقوده أجيال شابة تحاول إعادة قراءة الواقع اليومي بلغة بصرية معاصرة، بعيداً عن القوالب التقليدية التي سادت في مراحل سابقة.
ضمن هذا السياق، تبرز تجربة الفنان التشكيلي أكرم محمد السراي بوصفها واحدة من المحاولات التي تنشغل بالإنسان والمكان بوصفهما محورين أساسيين في البناء الفني.
تنطلق أعمال السراي من تفاصيل الحياة اليومية في البيئة العراقية، حيث تتحول المشاهد البسيطة إلى موضوعات قابلة للتأمل البصري.
فالأزقة والأسواق والوجوه اليومية لا تُقدَّم بوصفها عناصر توثيقية فقط، بل كمساحات تحمل شحنة شعورية مرتبطة بالذاكرة الجمعية.
ويظهر في تجربته اهتمام واضح بعنصر الضوء، الذي لا يقتصر دوره على الإضاءة التقنية، بل يمتد ليصبح جزءاً من بناء المعنى داخل اللوحة.
فالضوء عنده يحدد العلاقات بين العناصر ويعيد تشكيل الإحساس بالمشهد، بما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى السرد البصري منه إلى التمثيل المباشر.
كما تحتل الألوان الترابية والدافئة حضوراً لافتاً في أعماله، وهو ما يعكس ارتباطاً بصرياً بالبيئة المحلية، ويمنح اللوحات إحساساً بالانتماء المكاني.
هذا الاختيار اللوني لا يبدو عفوياً، بل يدخل ضمن بناء متماسك يسعى إلى خلق هوية بصرية خاصة بالتجربة.
وتكشف هذه الأعمال عن توجه فني يبتعد عن التوثيق المباشر نحو إعادة صياغة الواقع وفق رؤية جمالية تعتمد على الاختزال والتركيز على اللحظة الإنسانية.
فالشخصيات في لوحاته تظهر ضمن سياقات يومية مألوفة، لكنها تُقدَّم بوصفها حالات شعورية أكثر من كونها أحداثاً.
وتأتي هذه التجربة ضمن مسار أوسع للفن العراقي المعاصر الذي يحاول الموازنة بين الإرث التشكيلي الغني وبين متطلبات التعبير الحديث، في ظل تغيرات ثقافية وبصرية متسارعة.
وهو ما يجعل من تجارب الفنانين الشباب مساحة مهمة لفهم اتجاهات الفن في العراق اليوم.
في هذا الإطار، تمثل تجربة أكرم محمد السراي محاولة لبناء لغة تشكيلية خاصة، تنطلق من الواقع لكنها لا تتوقف عنده، بل تسعى إلى إعادة تأويله بصرياً ضمن رؤية تبحث عن المعنى خلف التفاصيل اليومية.


—————–
عز الدين الخطاط
كاتب صحفي


