الأمة// تتحرك ألبانيا في مسار مختلف عن كثير من الدول الأوروبية ذات الأغلبية المسلمة أو الجاليات المسلمة الكبيرة، إذ لا تدور القضية الأساسية فيها حول منع الرموز الإسلامية أو صدام الدولة مع المؤسسات الدينية بقدر ما تدور حول كيفية استعادة الإسلام حضوره الاجتماعي والثقافي بعد عقود من القمع الشيوعي الذي جعل البلاد أول دولة تعلن نفسها رسمياً دولة ملحدة في التاريخ الحديث.
عودة الاهتمام بالتراث الإسلامي المحلي
وتظهر مؤشرات جديدة هذا الشهر على استمرار هذا الحضور. ففي 14 أغسطس الجاري شهدت مدينة شكودر شمال البلاد افتتاح مسجد «توبخانه» بعد إعادة إحياء موقع إسلامي تاريخي، في خطوة تعكس عودة الاهتمام بالتراث الإسلامي المحلي، وليس مجرد بناء مسجد جديد بمعناه الديني التقليدي.
وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر لأن ألبانيا ليست مجتمعاً مسلماً تقليدياً بالمعنى المعروف في أجزاء أخرى من البلقان. فقد أدت عقود الحكم الشيوعي إلى قطع جزء كبير من الصلة بين الأجيال والمؤسسات الدينية، ثم بدأت مرحلة استعادة تدريجية للهوية الدينية بعد سقوط النظام.
وبحسب نتائج التعداد السكاني لعام 2023، يشكل المسلمون نحو 51 في المئة من سكان ألبانيا، بينهم نحو 46 في المئة من السنة و5 في المئة من البكتاشيين، وهو ما يجعل الإسلام المكوّن الديني الأكبر في البلاد، رغم أن الهوية الدينية لدى قطاعات واسعة من السكان تتداخل مع هوية وطنية وعلمانية قوية.
الطائفة البكتاشية
لكن التطور الأكثر إثارة للاهتمام هذا العام يرتبط بالطائفة البكتاشية، التي تسعى إلى إنشاء كيان ديني خاص بها في العاصمة تيرانا. وقد أثارت الخطة نقاشاً واسعاً حول طبيعة هذا الكيان، وما إذا كان يمكن أن يتحول إلى دولة دينية صغيرة تتمتع بسيادة رمزية داخل الأراضي الألبانية.
ويكشف هذا النقاش عن خصوصية التجربة الألبانية: فالدولة لا تواجه الإسلام بوصفه كتلة سياسية واحدة، وإنما تتعامل مع طيف ديني متنوع يضم السنة والبكتاشيين وغيرهم، في مجتمع يضع العلمانية الوطنية والتعايش الديني في مقدمة صورته عن نفسه.
التمييز العنصري
وفي المقابل، تتعرض المؤسسات الإسلامية في أوروبا ذات الأغلبية المسيحية لضغوط مختلفة تماماً. فقد أظهرت أحدث بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية أن 47 في المئة من المسلمين الذين شملهم الاستطلاع في 13 دولة أوروبية قالوا إنهم تعرضوا للتمييز العنصري، في ارتفاع واضح مقارنة بالمسح السابق. وكانت النسب الأعلى في النمسا وألمانيا وفنلندا.
وهذا يجعل تجربة ألبانيا جديرة بالمتابعة، لأنها تقدم نموذجاً أوروبياً مختلفاً: مجتمع مسلم واسع لا يعيش باعتباره أقلية مهاجرة، وإنما باعتباره جزءاً تاريخياً من تكوين الدولة نفسها.
لكن ذلك لا يعني أن الطريق خالٍ من التحديات. فعودة الدين بعد عقود من القطيعة لا تعني بالضرورة عودة المؤسسات الدينية إلى النفوذ الذي كانت تتمتع به قبل الشيوعية. كما أن الأجيال الشابة الألبانية تعيش داخل بيئة أوروبية شديدة العلمانية، وترتبط اقتصادياً وثقافياً بالاتحاد الأوروبي أكثر مما ترتبط بالمؤسسات الدينية التقليدية.
مستقبل الإسلام في ألبانيا
وتبرز هنا أهمية المشاريع الاجتماعية والتعليمية والثقافية، لأن مستقبل الإسلام في ألبانيا لن تحدده أعداد المساجد وحدها، وإنما قدرة المؤسسات الإسلامية على تقديم نموذج ديني منفتح ومتجذر في المجتمع وقادر على مخاطبة الشباب.
وفي هذا السياق، يشير العمل الذي تقوم به مؤسسات الإغاثة الإسلامية في ألبانيا إلى جانب آخر من الحضور الإسلامي. فقد أجرت «الإغاثة الإسلامية في المملكة المتحدة» زيارة ميدانية إلى ألبانيا هذا الشهر لمتابعة مشروعاتها مع المجتمعات المحلية، وهو نشاط يعكس انتقال بعض المؤسسات الإسلامية من الدور الديني التقليدي إلى العمل الاجتماعي والتنمية المحلية.
كما أن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في ألبانيا تقدم نموذجاً مختلفاً داخل أوروبا. ففي مارس الماضي، زار رئيس أساقفة تيرانا ودوريس وألبانيا قادة المجتمعات المسلمة وقدم لهم التهاني بمناسبة عيد الفطر، في مشهد يعكس تقليداً من التواصل بين القيادات الدينية المختلفة.
غير أن التحدي الحقيقي أمام ألبانيا هو المحافظة على هذا التوازن. فإحياء الهوية الإسلامية لا يحتاج إلى تحويل المجتمع إلى ساحة صراع ديني، كما أن العلمانية لا ينبغي أن تعني إقصاء الدين من المجال العام.
وتكشف التجربة الألبانية أن الإسلام الأوروبي ليس نموذجاً واحداً. فالمسلمون في ألبانيا وكوسوفو والبوسنة يختلف وضعهم التاريخي عن المسلمين في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، كما تختلف تحدياتهم عن المسلمين الجدد أو المهاجرين في أوروبا الغربية.
ولهذا فإن دراسة المسلمين في أوروبا تحتاج إلى تجاوز الصورة النمطية التي تختزل القضية في الهجرة والإسلاموفوبيا. هناك أيضاً مجتمعات مسلمة أصلية في أوروبا، لها تاريخ طويل ومؤسسات وهوية وطنية، وتبحث اليوم عن صيغة للتوفيق بين الدين والحداثة والدولة الأوروبية.
وتبدو ألبانيا واحدة من أكثر الحالات أهمية في هذا المجال، لأنها تحاول استعادة تقاليد دينية قطعتها الدولة الشيوعية، من دون التخلي عن نموذجها العلماني أو عن اندماجها الأوروبي.
المصادر والتواريخ:
الإغاثة الإسلامية في المملكة المتحدة، زيارة ميدانية إلى ألبانيا ومتابعة مشروعات المجتمعات المحلية، أغسطس 2026.
وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية، تقرير «أن تكون مسلماً في الاتحاد الأوروبي»، أكتوبر 2024، وهو أحدث مسح شامل منشور عن تجارب المسلمين في 13 دولة من دول الاتحاد.
تقرير عن إعادة إحياء مسجد توبخانه في شكودر، 14 أغسطس 2026.
تغطية النقاش حول مشروع الكيان البكتاشي في تيرانا، أغسطس 2026.







