تشهد العلاقات بين إسرائيل وعدد من دول أمريكا اللاتينية تحولاً سياسياً لافتاً منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، بعدما اتجهت حكومات في المنطقة إلى اتخاذ مواقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، وهو ما انعكس على مستوى العلاقات الدبلوماسية داخل القارة.
وكانت البرازيل من أبرز الدول التي شهدت توتراً مع إسرائيل، بعد تصريحات الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا في فبراير 2024، والتي قارن فيها الوضع في غزة بما حدث خلال الحرب العالمية الثانية، ما تسبب في أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين واستدعاء متبادل للمواقف الرسمية.
وفي كولومبيا، أعلن الرئيس غوستافو بيترو في مايو 2024 قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، مؤكداً أن بلاده لا يمكنها الاستمرار في العلاقات مع الحكومة الإسرائيلية بسبب موقفها من الحرب في غزة.
كما اتخذت بوليفيا خطوة مشابهة عندما أعلنت قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في أكتوبر 2023، بينما قامت دول أخرى مثل تشيلي وكولومبيا باستدعاء سفرائها للتشاور احتجاجاً على العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.
ويرتبط هذا التحول أيضاً بعوامل تاريخية وسياسية داخل أمريكا اللاتينية، حيث تتمتع القضية الفلسطينية بحضور واسع لدى قطاعات من الرأي العام، خصوصاً في تشيلي التي تضم واحدة من أكبر الجاليات الفلسطينية خارج العالم العربي.
وعلى المستوى السياسي، أدى تغير مواقف عدد من الحكومات إلى تراجع الحضور الإسرائيلي في بعض المحافل الإقليمية، مع زيادة الدعوات إلى وقف إطلاق النار، إدخال المساعدات الإنسانية، ودعم مسار الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
أما اقتصادياً، فإن حجم التبادل التجاري بين إسرائيل ومعظم دول أمريكا اللاتينية لا يجعل المنطقة من أكبر الشركاء الاقتصاديين لتل أبيب، لذلك تبدو الخسائر الأكبر في الجانب السياسي والدبلوماسي، خاصة مع فقدان إسرائيل جزءاً من الدعم التقليدي لدى بعض الحكومات.
إعلامياً، لعبت التغطية المستمرة للأوضاع الإنسانية في غزة دوراً في تشكيل نقاش سياسي واسع داخل دول مثل البرازيل وكولومبيا وتشيلي، ما عزز الانتقادات الموجهة للحكومة الإسرائيلية بين قطاعات من الرأي العام.
ورغم هذا الاتجاه، لا تزال القارة منقسمة سياسياً؛ إذ تحتفظ بعض الحكومات بعلاقات قوية مع إسرائيل، ومن أبرزها حكومة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي تبنى موقفاً أكثر قرباً من تل أبيب.
وبينما تستمر الخلافات السياسية، تشير التطورات الأخيرة إلى أن إسرائيل تواجه في أمريكا اللاتينية تحدياً دبلوماسياً ورمزياً متزايداً، في ظل تغير مواقف عدد من الحكومات وصعود خطاب أكثر انتقاداً لسياستها خلال الحرب على غزة.


