من غير الواضح ما هو تحليل بعض الإسلاميين لطبيعة علاقة النظام الإيراني بالقضية الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية، إذ يتأرجح الحديث عندهم ما بين من يرى إيران صاحبة هم للقضية الفلسطينية وسهم في مقاومة الاحتلال، مسوقا شعاراتها ومواقفها والأحداث والسياسات التي تتبعها في هذا الشأن، كونه يراها جزءا من الأمة، وبين من يرى أنها حليف مؤتمن يمكن الاعتماد عليه، وبين من يرى أنه يمكن توظيف شعاراتها والتخادم معها في إطار تبادل المنافع فقط.
وتأسيسا على هذه الضبابية في الرؤية ينساح التعامل مع النظام الإيراني ويتسع، في حين يمتلك النظام رؤيته وخطته ومشروعه لأصحاب هذه الرؤى جميعا.
سياسة إيران كنظام صاحب مشروع قومي سياسة محنكة، يمكنها توظيف هؤلاء جميعا، بل من هم أبعد منهم. ولا مانع لديها من مد الجسور حتى مع تنظيم “القاعدة” فضلا عن غيره من الحركات والتيارات. ولهذا هي دوما من يكسب من هذه العلاقة، وهي الرابح الأكبر فيها إذا افترضنا أن الجميع يكسب. فعندما لا تمتلك رؤية واضحة ومشروعا محددا تكون أنت محل توظيف واستغلال.
هذه الرؤية الضبابية ليست عند الحركات والتيارات الإسلامية بل تمتد إلى مستوى الأنظمة العربية جميعا، فكل نظام له رؤيته ومشروعه وتحليله لطبيعة العلاقة المفترضة، لهذا تتمدد إيران في وسط هذا الاختلاف والتباين. ولو أخذنا دول الخليج كمثال مصغر فإنك ستجد أن كل دولة منها لها رؤيتها الخاصة لإيران، ومشروعها الخاص في ذاتها وللمنطقة، وعلاقة ذات طبيعة مستقلة مع إيران. لهذا فمواقفهم تجاه الحرب الأخيرة حملت نوعا من التباينات وإن لم تبرز بشكل كبير.
هذا الواقع يعطي إيران قدرة على مد علاقاتها وترميم جسورها والنفوذ بشكل أكبر للمنطقة، على المستوى الرسمي وغير الرسمي. وقد تبني على هذا الواقع مجددا سرديتها لهذه الحرب وكيف أنها قوة لا يستهان بها وحليف لا يخون حلفاءه.
وإذا ظل خصوم إيران ينسجون تحليلاتهم المستقبلية على قاعدة العداء العقدي أو القومي معها دون منظور واقعي وعقلاني والسعي لتوحيد رؤية جامعة تتعامل مع إيران بشكل صحيح وفي إطار كيان قومي جامع ند لها، فإن الأماني التي حكمت الفترة الماضية وفشلت إلى حد كبير في النجاح ستبقى هي الموجه للمستقبل.
وحتى ذلك الحين سوف يقع المغترون بالسردية الإيرانية، والمتطلعون لأي “انتصار” يشبع رغبتهم، فريسة للمشروع والرؤية الإيرانية، لأن حالهم كحال بني إسرائيل الذين رفضوا الإيمان بإله غيبي واتخذوا لهم عجلا جسدا له خوار!


