دعونا من الوطن ولنتحدث عن ما وراءه،
يقال لمن فارق وطنه: مسافر، أو مهاجر، أو مغترب. أما إن فارقه خوفا ورهبا: شريد، طريد، هارب، فار.
هذه الأوصاف كفيلة أن توضح لك حالة من فارق وطنه، ففقد الجذور والهوية والعنوان.
الوطن رغم كل ما فيه يبقى جنة، وغالبا لا يفارقه الإنسان إلا مكرها أو مضطرا. أما أولئك الذين يخرجون لأوطانهم دون أي شعور بالحزن أو الفقد أو الحنين ليسوا بشرا أسوياء، هؤلاء كائنات منفردة كتلك النباتات الرحالة مع الريح، والتي لا تستوطن تربة، فهي فاقد الاتصال بما حولها ويمكنها الذهاب إلى أي مكان حتى الجحيم!
أما الإنسان الطبيعي الفطري فهو كالشجرة المثمرة تماما لا يمكنها أن تنفصل عن أرضها التي زرعت فيها ومدت جذورها في أعماقها وارتوت من مائها، إذا فارق وطنه يصبح كالشجرة التي تقتلع وتغرس في تربة جديدة فيكون نجاح استمرارها في الحياة ضئيلا. والشجرة لا يرتفع جذعها وتمتد فروعها وأغصانها وتخضر أوراقها وتتبارك ثمارها إلا إذا استقرت واستوطنت بشكل دائم، وتظل كذلك طالما أنها تشعر بالانتماء لبيئتها، وكذلك الإنسان يدوم شغفه للعطاء والإثمار والحياة طالما ظل في موطنه فإذا غادره بات ورقة في مهب الريح.


