تناقلت عدد من صفحات فيسبوك ومنصة إكس ووسائل التواصل الاجتماعي مقطعا مرئيا مصورا للشيخ عبد المجيد الزنداني -رحمه الله تعالى- وهو يخاطب الثوار في ٢٠١١م، عقب نزوله لتأييد الثورة، أشار فيه إلى قيام “الخلافة الإسلامية”، وذكر أن تقريرا قوميا أمريكيا -حسب قوله- ذكر أن المسلمين سيعلنون الخلافة عام ٢٠٢٥م.
ما سأقوله قد يغضب الكثير لكنها كلمة حق وشهادة للتاريخ وعبرة ودرس للأجيال كي لا تكرر الأخطاء دون وعي.
أولا ثورة ١١ فبراير ٢٠١١م جاءت امتدادا لثورة تونس ومصر، وكانت ضمن حراك شعبي عارم اجتاح المنطقة عموما بما في ذلك سوريا وليبيا والمغرب والبحرين والأردن وغيرها. فقد تاقت شعوب الأمة للانفكاك من الأنظمة التي جثمت عليها دون أن تحقق إنجازات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو تعليمية أو ثقافية أو دينية أو إنسانية أو عسكرية، وغلب عليها الاستبداد والظلم والفساد والإجرام والفتك والبطش بكل معارض ومطالب بالحق. فالثورات كانت انفجارا طبيعيا لعقود من الإذلال والكبت والخذلان.
ثانيا الشيخ عبدالمجيد الزنداني كان مصدوما من هذه الثورات وقلقا من أثرها، لكن نجاح ثورتي تونس ومصر غير نظرته لها، ومع ذلك حافظ على موقف متوازن ومعتدل، فلم ينحز للثوار في الميدان وكان يتواصل مع رئيس الجمهورية، وزاره حينها والتقى به عدة مرات، لإيجاد مخرج مشرف للرئيس، وكان يطلع القوى الأخرى على تحركاته التفاوضية واتصالاته التباحثية، وكان حريصا على تجنب أي صراع أو دماء. وللأمانة كان صالح هو المتعنت والمتزمت، حتى أنه أظهر الوعيد، وتطاول على العلماء، بل على شيوخ القبائل وقادة عسكريين وقادة حزبيين، وهدد بالقتل والدماء. وبالفعل أقدم على خطوات عديدة لحرف مسار الثورة عن خطها السلمي إلى مسار عنفي دموي، وكل من يتحدث غير ذلك فهو كذاب ويعلم من شهد تلك الفترة كيف حرك صالح قواته في عدة جهات وارتكب مجزرة جمعة الكرامة.
هنا فقط، وفي محاولة من الشيخ الزنداني فرملة هذا التوجه الدموي نزل لميدان الثورة وأعلن انحيازه لها، وبشر وهو الذي تابع التبشير بدولة مدنية علمانية في أوساط الثوار بعودة الخلافة الإسلامية.
كانت العاطفة لدى الشيخ جياشة والحس السياسي لديه غائبا، ولم يكن مناسبا -إطلاقا- الحديث عن خلافة إسلامية ضمن ثورة شعبية تستهدف المطالب الحقوقية في إطار وطني، لأنه بذلك أثار حفيظة ومخاوف أطراف عدة محلية وإقليمية ودولية، فالحديث عن الخلافة يعني فيما يعني زعزعة استقرار الدول واستعداء الغرب الحقود.
لقد كانت هفوة مرتبطة بتدين الشيخ الجليل وتطلعاته التي كان يحملها ببرءاة صادقة، ولم تكن جريمة نكراء أو كفرا بواحا أو زندقة. وهو خطأ يماثل أو يشاكل حديث جبهة الإنقاذ الإسلامية، في إحدى تجمعاتها الجماهيرية الضخمة في الجزائر عام ١٩٩٠م، عن إعلان قيام الخلافة الإسلامية حال فوزها في الانتخابات، ورغبتها في تحرير العالم العربي وأرض الحرمين! ما جر عليها تكالبا دوليا وسخطا رسميا عنيفا انتهى بعشرية دموية.
في الحقيقة لم يكن الشيخ الزنداني هو المخطئ الوحيد، فقد بشرت الناشطة توكل كرمان في إحدى تصريحاتها بأن الثورات الشعبية سوف تتمدد وتقتلع الأنظمة العربية الأخرى في المنطقة، وأن هذه الأنظمة ستسقط تباعا!
وخرجت تصريحات عدة لشخصيات يمنية مختلفة كلها تعبر عن حالات عاطفية متطرفة بهذا الاتجاه أو ذاك. فحتى أولئك الذين وقفوا مع الأنظمة ضد الثورات، بما في ذلك نظام صالح، خرجت منهم عبارات وتصريحات لا يحاسبهم أحد اليوم عليها لأنها قيلت في فترة استقطابات حادة، وهي تاريخ تجاوزنها.
ونحن اليمنيون مشدودون عاطفيا، حد أننا نغرق في العواطف دون وعي، حبا وبغضا، مدحا وذما، ودا وكرها، وبالتالي لا نعرف التوازن والاعتدال.
وبالتالي، فالذين يحاولون أن يدينوا الثورة بهذه التصريحات، التي كنت غير مسرور بها وأنتقدها لأنها تخرج عن السياق الطبيعي لثورة حقوق ومطالب يمنية، هم أكثر جرما وعنفا، مع فارق أنهم وقفوا مع الظلم والعمالة فجمعوا فجورا ونذالة وضحكوا على طغيان صالح وجبروته ضد شعبه وهو يسفك دماء بريئة، وشاركوه الانتقام الآثم في ٢٠١٤م وصفقوا له.
فهؤلاء الحقراء والجبناء لا يحق لهم أن يتكلموا مع من أحسن وأخطأ وناصر الشعب ومطالبه والمجتمع وحقوقه، لمجرد عبارات لم تنغمس في فجور وإجرام وبطش.
أما الحديث عن الخلافة الإسلامية والتبشير بها في هذا الزمن الغادر المظلم فهو تعجل لا معنى له، وتصور يخالف السنن ويفتقد للقراءة الموضوعية للسياق الزمني والظرفي للواقع. وإذا ما ظلت تتمسك به عقول القيادات فإنها سوف تصل لطريق مسدود كما وصل الثوار في زمن الدولة الأموية لطريق مسدود وهم يحاولون استرجاع الخلافة الراشدة التي لم يمض على انقضائها قرن كامل، مع وفرة الصحابة والتابعين.
لهذا فإن الواجب اليوم هو استنقاذ دولنا الحالية بكونها مكسبا في اليد، من الاستبداد الداخلي (دينيا أو علمانيا أو قبليا أو هاشميا كهنوتيا)، والتدخلات الخارجية والاحتلال الأجنبي والتقسيم. فلنعتني بقضيتنا الوطنية دون مزايدات ولا مناكفات ولا أماني بعيدة المنال. وإذا صلحت الأمة جمعاء لن يحرمها الله تطلعاتها أما الآن فالأقربون أولى بالمعروف وليكن همنا وشغلنا دون بغي ولا عدوان ولا تطرف: اليمن أولا. يمن نعيش فيه قيم الكرامة والحرية والعزة والإخاء، يمن ينعم بالعدل والأمن والسيادة والاستقلال والتنمية والرخاء. يمن يديره خياره من الشرفاء الخبراء الأكفاء، يتشارك الجميع ثرواته وخيراته. يمن عربي مسلم الهوية والانتماء منشغل بقضاياه وشئونه.


