تتجه أوزبكستان وكازاخستان إلى توسيع شراكتهما في عدد من الملفات السياسية والاقتصادية والتجارية، في خطوة تعكس تنامي مساعي دول آسيا الوسطى لبناء علاقات إقليمية أكثر ترابطًا وتنويع شراكاتها الخارجية.
وجاء هذا التوجه خلال مباحثات عقدت في طشقند، في 18 سبتمبر، بين نائب وزير الخارجية الأوزبكي بابور عثمانوف والسفير الكازاخي يرالي توغجانوف، حيث ناقش الجانبان سبل تعزيز التعاون السياسي والتجاري والاقتصادي، إلى جانب توسيع العلاقات الثقافية والإنسانية.
تعاون يتجاوز التنسيق السياسي
وتشير المباحثات إلى أن العلاقات بين طشقند وأستانا لم تعد تقتصر على التنسيق الدبلوماسي، بل تمتد بصورة متزايدة إلى مجالات الاقتصاد والتجارة والنقل والاستثمار، مستفيدة من الموقع الجغرافي للبلدين بين الصين وروسيا وبحر قزوين والأسواق الأوروبية والشرق أوسطية.
ويأتي ذلك في وقت تعمل فيه أوزبكستان على تنويع أدوات تمويل اقتصادها وتوسيع أسواق رأس المال، إذ بلغت إصدارات سندات الشركات حتى نهاية أغسطس نحو 7.86 تريليون سوم، بما يعادل قرابة 665 مليون دولار.
ويعكس هذا النمو محاولة لتعزيز مصادر التمويل المحلية وتقليل الاعتماد على القنوات المصرفية والتمويل الخارجي التقليدي، بالتوازي مع جهود جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية.
كازاخستان تعزز تجارتها الآسيوية
وفي المقابل، توسع كازاخستان حضورها التجاري داخل القارة الآسيوية، إذ بلغ حجم تجارتها مع دول منظمة شنغهاي للتعاون نحو 35.9 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026.
كما أظهرت البيانات المنشورة في 18 سبتمبر تصدر الصين قائمة الشركاء التجاريين لكازاخستان خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، في مؤشر على تزايد أهمية المسار الاقتصادي المتجه شرقًا.
وتسعى أستانا إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي واحتياطاتها الكبيرة من الطاقة والمعادن لتعزيز دورها كمركز للتجارة العابرة للقارات، خصوصًا على الطرق التي تربط الصين بأوروبا.
الأمن يواكب التقارب الاقتصادي
ولا ينفصل هذا التحرك الاقتصادي عن البعد الأمني، إذ شهدت كازاخستان خلال الأيام الأخيرة اجتماعًا لرؤساء أجهزة الاستخبارات في تركيا وكازاخستان وأذربيجان وقيرغيزستان وأوزبكستان.
وبحث الاجتماع ملفات مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والتهديدات السيبرانية، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.
ويكشف تزامن التحركات الاقتصادية والأمنية عن اتجاه أوسع لبناء شبكة تعاون متعددة المستويات بين دول المنطقة، بالتوازي مع استمرار علاقاتها مع القوى الكبرى.
انفتاح متزايد على الخليج
ويظهر تنوع الشراكات كذلك في دخول مؤسسة مالية إماراتية إلى سوق أستانا الدولي للأوراق المالية كأول صانع سوق إماراتي في البورصة، عبر منصة للربط الرقمي بين أسواق أبوظبي وكازاخستان.
ويشير هذا التطور إلى اتساع العلاقات بين آسيا الوسطى ودول الخليج، لتتجاوز الاستثمارات التقليدية في الطاقة والبنية التحتية نحو الأسواق المالية والتكنولوجيا والخدمات.
وفي الوقت نفسه، تسعى أوزبكستان إلى جذب استثمارات جديدة وتطوير سوقها المالية، بينما تراهن كازاخستان على موقعها وثرواتها الطبيعية لتعزيز موقعها في شبكات النقل والتجارة الدولية.
ممرات التجارة في قلب الشراكة
وتمتلك الدولتان دوافع مباشرة لتعزيز التعاون؛ فأوزبكستان دولة حبيسة تحتاج إلى تنويع طرق وصولها إلى الأسواق الدولية، بينما تشكل كازاخستان حلقة رئيسية في طرق النقل البرية الممتدة بين الصين وأوروبا وبحر قزوين.
ومن شأن زيادة التنسيق بين البلدين دعم تطوير شبكات السكك الحديدية والطرق والطاقة وسلاسل الإمداد، بما يحول التقارب السياسي إلى مصالح اقتصادية أكثر استدامة.
وتبقى قدرة طشقند وأستانا على تحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات فعلية في النقل والطاقة والصناعة والتجارة الاختبار الأهم خلال المرحلة المقبلة.
آسيا الوسطى وتنويع الشراكات
وتعكس هذه التحركات تحولًا تدريجيًا في طبيعة العلاقات الخارجية لدول آسيا الوسطى، التي تسعى إلى تنويع شركائها مع الحفاظ على روابطها القائمة مع روسيا، بالتوازي مع توسيع التعاون مع الصين وتركيا ودول الخليج والانفتاح على أوروبا.
ولا يعني هذا التحول التخلي عن أي من القوى الكبرى، بقدر ما يعكس محاولة لتقليل الاعتماد على مسار واحد وتعزيز هامش الحركة الاقتصادية والسياسية.
وفي هذا السياق، يمكن للتعاون المتنامي بين أوزبكستان وكازاخستان أن يشكل أحد المحاور المهمة لتعزيز التكامل الاقتصادي داخل آسيا الوسطى، في ظل تصاعد المنافسة الدولية على طرق التجارة ومصادر الطاقة والمعادن الاستراتيجية.






