تستعد المؤسسة العمومية الاقتصادية «كرابسي» في الجزائر لتنفيذ طرح عام أولي عبر سوق “نمو” داخل بورصة الجزائر، في خطوة تعكس توجهًا متزايدًا نحو تمويل الشركات الناشئة عبر أدوات السوق المالي بدلًا من الاعتماد التقليدي على التمويل الحكومي.
وبحسب بيان لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها، تخطط الشركة لطرح 39 ألف سهم جديد، تمثل نحو 15% من رأسمالها، في إطار زيادة رأس المال ودعم خطط التوسع.
سوق “نمو”… منصة مرنة للشركات الناشئة
يأتي هذا الطرح ضمن سوق “نمو”، وهو السوق المخصص للشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة، والذي يوفر شروط إدراج أكثر مرونة مقارنة بالسوق الرئيسي.
فبينما يتطلب السوق الرئيسي طرح ما لا يقل عن 20% من الأسهم وتوزيعها على عدد كبير من المساهمين، يتيح “نمو” إدراج الشركات عبر طرح 10% فقط، مع قاعدة مساهمين أقل، ما يجعله أكثر جذبًا للشركات الناشئة.
كما عززت السلطات هذا التوجه عبر إعفاء الشركات الناشئة من رسوم الإدراج لمدة ثلاث سنوات (2026–2028)، في محاولة لتنشيط السوق المالي وجذب مزيد من الابتكارات إلى البورصة.
تفاصيل الطرح وقيمته
حددت «كرابسي» سعر السهم عند 1600 دينار جزائري، بقيمة إجمالية متوقعة للطرح تصل إلى 62.4 مليون دينار، في وقت يبلغ فيه رأسمال الشركة الحالي نحو 26 مليون دينار.
وسيكون الاكتتاب موجهًا بشكل أساسي إلى المؤسسات والفروع الاقتصادية التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ما يعكس الطابع المؤسسي والعلمي للطرح.
شركة بحثية بطموح صناعي
تأسست «كرابسي» عام 2013 كشركة ناشئة منبثقة عن حاضنة أعمال حكومية، وتتبع مركز البحث العلمي والتقني في التحاليل الفيزيائية–الكيميائية.
وتعمل الشركة في مجالات التحاليل الكيميائية، وتسويق المواد العلمية، وصيانة التجهيزات البحثية، وهي مجالات ترتبط مباشرة بالبنية التحتية للبحث العلمي والصناعات المرتبطة به.
وتسعى الشركة، من خلال الطرح، إلى التوسع في نشاط تسويق المواد الكيميائية، إلى جانب إنشاء وحدة إنتاج محلي على المدى المتوسط، بهدف تقليص الاعتماد على الاستيراد وتعزيز التصنيع المحلي.
مؤشرات على تحول في الاقتصاد الجزائري
يعكس هذا الطرح تحولًا تدريجيًا في بنية الاقتصاد الجزائري، حيث يجري الانتقال من نموذج يعتمد على التمويل الحكومي المباشر إلى نموذج أكثر انفتاحًا على الأسواق المالية.
كما يشير إلى توجه استراتيجي لربط البحث العلمي بالاقتصاد، عبر تحويل مخرجاته إلى شركات قابلة للنمو والاستثمار، وهو ما يمثل خطوة مهمة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة.
موجة طروحات مرتقبة
لا يأتي طرح «كرابسي» بمعزل عن تحركات أوسع داخل السوق، حيث تترقب “نمو” طروحات جديدة، من بينها شركة «آيراد» المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات، والتي تخطط للإدراج خلال الفترة المقبلة.
يمثل هذا الطرح فرصة لتعزيز تمويل الابتكار في الجزائر، لكنه في الوقت ذاته اختبار لقدرة السوق المالي على استيعاب الشركات الناشئة، وتحقيق التوازن بين متطلبات النمو وثقة المستثمرين.
وفي حال نجاح التجربة، قد تفتح الباب أمام موجة جديدة من إدراج الشركات العلمية والتكنولوجية، بما يعيد رسم دور البورصة كأداة لدعم الاقتصاد الحقيقي، وليس مجرد منصة لتداول الأسهم.


