لم تعد القطيعة بين إثيوبيا وإريتريا مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، بعدما انتقلت العلاقات بين البلدين إلى واحدة من أخطر مراحلها منذ انتهاء الحرب الإثيوبية–الإريترية السابقة. فقد أعلنت أسمرة في الأول من أكتوبر 2026 قطع العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا،
بينما أغلقت إثيوبيا سفارتها في إريتريا وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، وسط اتهامات إثيوبية لأسمرة بدعم التحالف المسلح الذي تقوده جبهة تحرير تيجراي، وهي اتهامات تنفيها إريتريا.
وتكتسب هذه القطيعة خطورتها من أنها تأتي بالتزامن مع تجدد الحرب داخل إثيوبيا. فمنذ أواخر سبتمبر، اندلعت مواجهات واسعة بين القوات الفيدرالية وقوات تيجراي، بالتزامن مع تشكيل سبع جماعات مسلحة تحالفًا يهدف إلى إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد. ويضم التحالف خصومًا سابقين قاتل بعضهم على طرفي الحرب الإثيوبية بين عامي 2020 و2022.
تيجراي.. نقطة الاشتعال الأولى
المعادلة الجديدة تضع إريتريا في قلب الأزمة، حتى مع استمرار نفيها التدخل المباشر. فإثيوبيا ترى أن أي دعم إريتري لجبهة تحرير تيجراي يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها، خصوصًا أن الحدود بين البلدين ترتبط تاريخيًا بالصراع في الإقليم.
وفي المقابل، تخشى أسمرة أن يؤدي تمدد القوات الإثيوبية داخل تيجراي والمناطق المحيطة إلى تغيير ميزان القوى على حدودها. وقد حذر محللون من أن تداخل الصراع الإثيوبي الداخلي مع التوتر الإثيوبي–الإريتري يمكن أن يحول الحرب الأهلية إلى صراع إقليمي أوسع.

وتزداد المخاطر مع إعلان التحالف المسلح الجديد الذي يضم جبهة تحرير تيجراي وقوات فانو في أمهرة وغيرها من الجماعات. ورغم الخلافات العميقة بين هذه القوى، فإن هدفها المشترك في مواجهة حكومة آبي أحمد يمنحها قدرة أكبر على تشتيت القوات الحكومية وفتح أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
هل تتحول المعركة لحرب إثيوبية–إريترية؟
ومن المهم الإشارة هنا إلي أن اندلاع حرب مباشرة بين البلدين لم يعد سيناريو يمكن تجاهله، لكنه ليس نتيجة حتمية. فحتى الآن، لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية وحده قرارًا بالحرب، كما أن الاتهامات المتبادلة قد تكون جزءًا من صراع الضغط السياسي والعسكري.
لكن احتمالات التصعيد ترتفع إذا تحولت الحدود إلى ساحة مواجهة مباشرة، أو إذا قررت أديس أبابا اعتبار الدعم الخارجي لجبهة تيجراي مبررًا لعمليات عسكرية داخل الأراضي الإريترية. ويزداد الخطر بسبب التاريخ العسكري المشترك بين الطرفين، بعدما قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الحكومة الإثيوبية ضد تيجراي في الحرب السابقة.
وتشير التطورات الحالية إلى أن أي مواجهة جديدة لن تبقى بالضرورة محصورة في البلدين، إذ يمكن أن تتداخل معها أزمات السودان والبحر الأحمر والصومال، بما يجعل القرن الأفريقي بأكمله ساحة للتنافس الإقليمي.
مصوع أم عصب؟.. عقدة المنفذ البحري
ومن هنا يبقى ملف البحر الأحمر أحد أهم مفاتيح الأزمة. فإثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، تسعى منذ سنوات إلى تأمين منفذ مباشر ومستقر على البحر الأحمر. وقد أصبحت موانئ إريتريا، خصوصًا عصب ومصوع، جزءًا من النقاش المتزايد حول طموحات أديس أبابا البحرية.
وتنظر أسمرة بحساسية شديدة إلى هذه المطالب، خصوصًا بعدما تصاعدت التصريحات الإثيوبية المتعلقة بالحصول على منفذ بحري. وتشير تحليلات دولية إلى أن مسألة عصب تحديدًا أصبحت إحدى نقاط الخلاف الأساسية بين البلدين.
لكن تقدم القوات الإثيوبية في مواجهة خصومها الداخليين لا يعني تلقائيًا أنها ستتجه إلى السيطرة على ميناء إريتري. فمثل هذه الخطوة ستنقل الصراع من حرب داخلية إلى نزاع دولي مباشر، وقد تستدعي تدخل قوى إقليمية ودولية، وتعرض إثيوبيا لضغوط سياسية واقتصادية كبيرة.
وساطة دولية
السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة الأولى هو تكثيف الضغوط والوساطات لمنع تحول القطيعة إلى حرب شاملة. فالولايات المتحدة والدول الأوروبية والاتحاد الأفريقي، إضافة إلى قوى إقليمية مؤثرة، لديها مصلحة في منع انهيار الاستقرار في منطقة شديدة الحساسية للملاحة الدولية وأمن البحر الأحمر.

لكن نجاح الوساطة سيعتمد على القدرة على معالجة جذور الأزمة، وليس فقط وقف إطلاق النار: مستقبل تيجراي، علاقة الإقليم بالحكومة الفيدرالية، الحدود الإثيوبية–الإريترية، ومطلب إثيوبيا الحصول على منفذ بحري.
وبذلك تقف المنطقة أمام ثلاثة مسارات متنافسة: احتواء دبلوماسي يعيد الطرفين إلى التفاوض، استمرار الحرب بالوكالة عبر الساحة الإثيوبية، أو انزلاق تدريجي إلى مواجهة مباشرة بين أديس أبابا وأسمرة.
والخطر الأكبر أن تتزامن هذه المسارات مع تفكك التحالفات الداخلية في إثيوبيا وتعدد الجبهات المسلحة؛ عندها قد لا تكون أزمة تيجراي مجرد حرب أهلية جديدة، بل شرارة لصراع أوسع يعيد رسم موازين القوى في القرن الأفريقي والبحر الأحمر


