دخل إقليم تيجراي شمالي إثيوبيا مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما أعلنت الحكومة الفيدرالية، تشكيل إدارة مؤقتة لمدة ستة أشهر، تتولى استعادة الأمن والخدمات العامة وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، تمهيدًا لإجراء انتخابات إقليمية.
ويأتي القرار عقب تجدد القتال بين القوات الفيدرالية ومقاتلي جبهة تحرير شعب تيجراي، وبعد انهيار الترتيبات السياسية التي استندت إلى اتفاق بريتوريا الموقع عام 2022.
وتواجه الإدارة الجديدة اختبارًا يتجاوز مجرد إعادة تشغيل مؤسسات الحكم؛ إذ يتصل جوهر الأزمة بالصراع على السلطة داخل الإقليم، والخلاف على طبيعة العلاقة بين تيجراي والحكومة المركزية، فضلًا عن التنافس الإقليمي بين إثيوبيا وإريتريا.
الإدارة الجديدة وجبهة تيجراي
من الناحية النظرية، تستطيع أديس أبابا توظيف الإدارة المؤقتة لتقديم نموذج حكم مختلف عن هيمنة جبهة تحرير تيجراي، من خلال استعادة الخدمات، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وإعادة النازحين، وتهيئة المجال لانتخابات يُفترض أن تكون حرة وشاملة. وإذا نجحت الإدارة في تحقيق تقدم ملموس في هذه الملفات، فقد تكتسب قبولًا اجتماعيًا يتيح ظهور قوى سياسية جديدة تنافس الجبهة.
لكن المشكلة أن الشرعية السياسية لا تُكتسب بمجرد التعيين من الحكومة الفيدرالية، ولا يمكن ضمانها بالوجود الأمني وحده. فالجبهة ما زالت تمتلك إرثًا سياسيًا وعسكريًا وشبكات تنظيمية داخل الإقليم، رغم الانقسامات التي شهدتها وتراجع قبضتها على المجتمع التيجراوي بعد الحرب السابقة.

كما أن الصراع داخل تيجراي لم يعد مواجهة بين طرفين متماسكين؛ بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالتنافس بين قيادات الجبهة نفسها، والخلاف حول إدارة المرحلة الانتقالية وتنفيذ اتفاق السلام.
ولذلك، فإن فرص الإدارة الجديدة في التحول إلى بديل مستدام للجبهة ستتوقف على قدرتها على تمثيل قطاعات متنوعة من المجتمع، وليس فقط على مدى ولائها لأديس أبابا. أما إذا اعتُبرت أداة لفرض السيطرة الفيدرالية، فقد تتحول إلى طرف إضافي في الأزمة بدلًا من أن تكون وسيلة لتسويتها.
عودة جبهة تيجراي للقتال
وبحسب مراقبين يعد هذا احتمالا قائما، بل إن تجدد المواجهات خلال الأسابيع الأخيرة يشير إلى أن الأزمة تجاوزت الخلاف السياسي إلى صراع مسلح متجدد. وكانت الجبهة قد أعادت في مايو 2026 تفعيل مؤسسات الحكم التي سبقت الحرب، واختارت رئيسها ديبرتسيون جبريميكائيل لقيادة الإقليم، في تحدٍ للترتيبات الانتقالية التي أُنشئت بموجب اتفاق بريتوريا.
ومع سيطرة القوات الفيدرالية وحلفائها على مناطق واسعة، بما فيها عاصمة الإقليم ميكيلي، قد تراهن الحكومة الإثيوبية على أن تغيير موازين القوة سيمنع الجبهة من استعادة سيطرتها السابقة. لكن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة إنهاء التمرد؛ إذ يمكن للجبهة أن تلجأ إلى حرب استنزاف أو عمليات متفرقة، خصوصًا إذا احتفظت بقاعدة اجتماعية ومقاتلين قادرين على مواصلة المواجهة.
وثمة عامل آخر يزيد المشهد تعقيدًا، هو تحالف الجبهة مع مجموعات مسلحة إثيوبية أخرى أعلنت معارضتها لحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد. وهذا يمنحها فرصة لتوسيع الضغط على الحكومة الفيدرالية، لكنه لا يعني بالضرورة امتلاك التحالف قيادة موحدة أو برنامج سياسي متفقًا عليه.
وعليه، فإن الإدارة المؤقتة قد تنجح في فرض هدوء أمني نسبي، لكنها لن تضمن إنهاء التمرد ما لم تقترن الإجراءات الأمنية بمسار سياسي يعالج أسباب الصراع ويتيح مشاركة حقيقية للقوى المحلية.
إريتريا الحلقة الأخطر
ومن المهم الإشارة هنا أنه لا يمكن فصل أزمة تيجراي عن التدهور الحاد في العلاقات الإثيوبية الإريترية. فقد تحولت العلاقة بين البلدين من التقارب الذي أعقب اتفاق السلام عام 2018 إلى حالة من انعدام الثقة، في ظل الخلافات الحدودية وتباين المصالح الأمنية، فضلًا عن طموح إثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، إلى تأمين منفذ بحري.
وتتهم أديس أبابا أسمرة بدعم جبهة تحرير تيجراي وبالتدخل العسكري داخل الأراضي الإثيوبية، بينما تنفي إريتريا هذه الاتهامات وتتهم إثيوبيا بتهديدها. وقد تصاعد التوتر إلى تبادل اتهامات رسمية وتحركات عسكرية على الحدود، وسط دعوات دولية إلى التهدئة والحوار.
وفي هذا السياق المتوتر تراهن اثيوبيا علي انتزاع تنازلات من اريتريا حتي بدون الدخول في صراع عسكري وهو مر من غير المرجح أن يتحقق ذلك بسهولة عبر الضغط العسكري وحده. فأسمرة تنظر إلى التحركات الإثيوبية المتعلقة بالوصول إلى البحر باعتبارها مسألة تمس أمنها وسيادتها، فيما تعتبر أديس أبابا الوصول إلى الموانئ قضية استراتيجية واقتصادية. ويجعل هذا التعارض أي تسوية شاملة أكثر صعوبة.

الأقرب إلى الواقعية هو السعي إلى تفاهمات محددة، تشمل احترام الحدود، وعدم دعم الجماعات المسلحة، وإنشاء قنوات اتصال عسكرية، وتفعيل الوساطة الأفريقية والدولية. وقد توفر هذه التفاهمات فرصة لاحتواء التصعيد، لكنها لن تكون مضمونة ما لم يتراجع انعدام الثقة بين الطرفين.
سيناريوهات المستقبل
وفي هذه الأجواء المعقدة يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للأزمة خلال الأشهر المقبلة ويتمثل الأول في احتواء تدريجي: تنجح الإدارة المؤقتة في استعادة الخدمات، وتُفتح قنوات تفاوض مع القوى التيجراوية، بالتوازي مع جهود إقليمية لخفض التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. ويتطلب ذلك انتخابات ذات مصداقية وتسوية سياسية لا تقتصر على فرض سلطة الحكومة الفيدرالية.
السيناريو الثاني يبدوحاضرا كذلك ويتمثل في هدوء هش وصراع متقطع: تفرض القوات الفيدرالية سيطرتها على المدن الرئيسية، لكن الجبهة تحتفظ بقدراتها على المقاومة، وتستمر المناوشات والخلافات السياسية. وهذا مسار محتمل إذا غلبت الاعتبارات الأمنية على جهود المصالحة.
اما المسار الثالث فهو السيناريوالأخطر وفقا لمراقبين ويدور في فلك اتساع المواجهة الإقليمية حيث تتداخل الحرب داخل تيجراي بصورة أكبر مع التوتر الإثيوبي الإريتري، فتتحول الأزمة من نزاع داخلي إلى مواجهة أوسع في القرن الأفريقي، بما يفاقم النزوح والاحتياجات الإنسانية ويهدد استقرار الحدود.
وتزداد خطورة هذه السيناريوهات أن تيجراي لم يتعافَ بعد من الحرب السابقة؛ إذ تشير بيانات نقلتها رويترز إلى بقاء نحو 750 ألف شخص نازحين داخل إثيوبيا حتى فبراير 2026، فضلًا عن تدهور الأوضاع الإنسانية ومخاطر نقص الغذاء.
ومن هنا يمكن القول إن إنشاء الإدارة المؤقتة يمنح آبي أحمد أداة جديدة لإعادة ترتيب السلطة في تيجراي، لكنه لا يحسم الصراع على شرعية الحكم ولا ينهي تلقائيًا قدرة جبهة تحرير تيجراي على المقاومة. وستتوقف فرص الاستقرار على ثلاثة شروط مترابطة: إدارة انتقالية تحظى بقبول محلي، وتسوية سياسية قابلة للتنفيذ مع القوى التيجراوية، وتفاهم أمني بين إثيوبيا وإريتريا.
أما إذا اقتصرت الاستراتيجية على تغيير الإدارة وفرض السيطرة بالقوة، فقد يتحول الهدوء المؤقت إلى مقدمة لجولة جديدة من الصراع، تتجاوز تداعياتها حدود الإقليم إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر.


