في لحظة تاريخية فارقة تقلب موازين الحصانة السياسية في جنوب شرق آسيا، لم تعد جدران القصور العسكرية في “نايبيداو” كافية لحماية جنرالات ميانمار من ملاحقة العدالة الدولية.
فبينما كان العالم يظن أن ملف “الروهينجا” قد طواه النسيان في مخيمات اللجوء، فجّرت منظمات حقوقية وممثلون عن الأقلية المسلمة قنبلة قانونية مدوية من قلب جاكرتا، بتقديم شكوى جنائية رسمية ضد رئيس ميانمار “مين أونغ هلاينغ”.
هذه الخطوة لا تمثل مجرد إجراء قضائي، بل هي إعلان عن عصر جديد من المحاسبة العابرة للحدود، حيث تستند إندونيسيا إلى ثقلها القانوني والسياسي لتفعيل مبدأ “الولاية القضائية العالمية”، واضعةً قادة المجلس العسكري في مواجهة مباشرة مع تهم “الإبادة الجماعية” التي ظلوا ينكرونها لسنوات خلف ستار السيادة الوطنية.
ملاحقة الرؤوس الكبيرة
ضجت أروقة مكتب النائب العام الإندونيسي بتفاصيل القضية التي تستهدف رأس الهرم السلطوي في ميانمار، حيث استند الادعاء إلى ترسانة من الأدلة الموثقة التي تدين “مين أونغ هلاينغ” بالتخطيط والإشراف على حملات التطهير العرقي.
وأكد المتحدث باسم الادعاء العام، أنانغ سوبرياتنا، أن جاكرتا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام جرائم الإبادة، مشيراً إلى أن القانون الإندونيسي بات يمنح القضاء صلاحية ملاحقة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة ضد الإنسانية بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة.
وتتضمن أوراق القضية شهادات حية وصوراً للأقمار الصناعية توثق تدمير القرى الممنهج، والتهجير القسري لنحو 740 ألف إنسان، فضلاً عن استخدام العنف الممنهج كسلاح استراتيجي لكسر إرادة الأقلية المسلمة في ولاية راخين.
تقاطعات العدالة الدولية
بالتوازي مع الحراك القانوني في إندونيسيا، تتجه أنظار المجتمع الدولي نحو محكمة العدل الدولية في لاهاي، حيث تخوض غامبيا معركة قانونية شرسة ضد ميانمار لإثبات انتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية.
وأفادت وكالات الأنباء العالمية بأن التحرك الإندونيسي الجديد يمثل “قوة دفع” هائلة للمسارات الدولية القائمة، إذ يسد الثغرات التي قد تتركها المحاكم الدولية عبر ملاحقة الأفراد والمسؤولين بشكل مباشر.
وترى التقارير الصحفية الدولية أن هذه “الكمّاشة القانونية” تهدف إلى محاصرة النظام العسكري اقتصادياً وسياسياً، في ظل استمرار معاناة أكثر من 600 ألف طفل روهينجي يقبعون في مخيمات بائسة في بنغلاديش، محرومين من أبسط حقوق الحياة والتعليم.
أبعاد اقتصادية وسياسية لفرض سيادة القانون
يرى خبراء اقتصاديون ومحللون سياسيون أن هذه الشكوى ستحمل تبعات وخيمة على مناخ الاستثمار في ميانمار، حيث يجمع المحللون على أن تصنيف رئيس الدولة كـ “متهم بالإبادة” سيجبر الشركات الدولية والمؤسسات المالية على مراجعة علاقاتها مع النظام العسكري لتجنب التورط في تمويل جرائم دولية.
وبحسب آراء موثوقة، فإن الضغط القانوني في جاكرتا سيتحول بالضرورة إلى ضغط دبلوماسي داخل رابطة “آسيان”، مما قد يؤدي إلى عزل ميانمار اقتصادياً بشكل كامل.
مصدر المعلومات: الامم المتحدة- الجزيرة نت


