منذ أن حُطِّمت الإمبراطورية الفارسية في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم تعد فارس بعدها إمبراطوريةً تتحكم في موازين القوة على الأرض، بعد أن كانت تصارع الروم على نفوذ الأرض في حروب طاحنة امتدت لعقود طويلة.
ومنذ عقودٍ تحاول إيران أن تستعيد ذلك المجد الإمبراطوري المفقود، فسعت إلى مدّ أذرعها التخريبية في المنطقة، فقتلت وشرّدت وخرّبت، وبثّت الرعب في أرجاء البلدان الإسلامية عبر ميليشياتها الطائفية وأدواتها المسلحة، وكأنها تريد أن تقول:
أنا هنا من جديد.
وفي الوقت نفسه، سخّرت جيوشًا من الذباب الإلكتروني وآلةً دعائية ضخمة لتضخيم صورتها العسكرية وتهويل قدراتها الصاروخية، وقدّمت نفسها للعالم على أنها قوة كبرى قادرة على فرض موازين جديدة في المنطقة، في محاولة بائسة لإحياء ذلك الحلم الذي بدده الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقائده الفذ سعد بن أبي وقاص، قائد معركة القادسية.
لكنّ الحرب الدائرة اليوم كشفت كثيرًا من الحقائق التي كانت مخفية خلف هذا الضجيج الإعلامي.
فخلال أيامٍ قليلة فقط باتت السماء الإيرانية مكشوفة، وأرضها مستباحة، ومياهها الإقليمية عاجزة عن أن تتحرك فيها حتى قطعة بحرية صغيرة، بعد أن شُلت قدراتها البحرية.
وتبيّن بشكلٍ جلي أن قدرتها على حماية قيادتها ومراكزها الحساسة أضعف بكثير مما صُوِّر للناس طوال سنوات طويلة.
لقد قُتل عدد من قادة الصف الأول منذ الضربات الأولى، وهو ما يعكس هشاشة البنية الاستخبارية والأمنية التي لم تستطع أن تحمي رأس النظام ولا قياداته العليا.
فأي دولة هذه التي لا تستطيع أن تحمي سماءها، ولا تحافظ على أرضها، ولا تملك السيطرة على مياهها الإقليمية، ولا تستطيع حماية قيادتها وخطها الأول؟!
وهكذا تبيّن أن كثيرًا من صورة القوة التي رُسمت لإيران كانت أقرب إلى قوة دعائية منها إلى قوة حقيقية على الأرض.
فالقوة الإيرانية الحقيقية لم تكن في دفاعاتها الاستراتيجية، ولا قدراتها الصاروخية؛ بل في قدرتها على إدارة الفوضى خارج حدودها، وتشغيل الميليشيات، وإشعال الصراعات في المنطقة.
أما حين وُضعت الدولة نفسها في مواجهة مباشرة، فقد ظهر الفرق الكبير بين الضجيج الإعلامي والقدرة العسكرية الفعلية.
لقد حاولت إيران أن تبني مشروعها التوسعي على جماجم العرب الذين أسقطوا إمبراطوريتها قديمًا، لكن الوقائع اليوم تعيد التذكير بأن التاريخ لا يُعاد بمجرد الشعارات ولا بالدعاية، وأن الأحلام التي يُراد تحقيقها لا تُبنى على الوهم.
وفي الحديث قال النبي ﷺ:
«إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده»، أي إن ملك فارس الذي سقط لن يعود كما كان إمبراطوريةً تتحكم في موازين الأرض.
وقد أكد القرآن هذا المعنى في مطلع سورة الروم عندما ذكر الله تعالى الروم وطمس هوية فارس في قوله تعالى:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾.
والملاحظ هنا أن الله تعالى لم يذكر الفرس واكتفي بذكر الروم، وفي ذلك طمسٌ لهويتهم وإشارةٌ إلى زوال سلطانهم، وعدم قيامهم إمبراطوريةً كما كانوا.
واليوم، ومع ما تكشفه هذه الحرب من حقائق، يتضح أن كثيرًا مما بُني حول قوة إيران لم يكن إلا صورةً دعائيةً ضخّمتها الآلة الإعلامية سنوات طويلة.
فالمشاريع التي تقوم على التخريب، وتتمدّد عبر الميليشيات، وتعيش على تضخيم الوهم، قد تبدو قويةً زمنًا، لكنها سرعان ما تنكشف حين توضع في مواجهة الحقيقة.
إن التاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات قد تسقط مرة، لكن أخطر ما يمكن أن تقع فيه هو أن تحاول العودة عبر الوهم بدل القوة الحقيقية.
ولعل ما نشهده اليوم ليس نهاية صراعٍ فحسب، بل بداية انكشافٍ تاريخي جديد لمشروعٍ حاول أن يعيد أمجاد إمبراطورية سقطت قبل قرون.
فحروب الظالمين فيما بينهم سُنّة كونية إلهية، يهيئ الله بها الأرض لأمرٍ عظيم…
فارتقبوا.







