قبيل بعثة النبي ﷺ كان العالم يعيش صراعًا هائلًا بين القوتين الأعظم في ذلك العصر: الإمبراطورية الفارسية والدولة الرومية.
حربٌ طاحنة استمرت سنوات طويلة، استنزفت القوتين وأشغلتهما عن غيرهما، حتى غدت المنطقة كلها مسرحًا لتدافعٍ مرير بينهما.
وفي خضم هذا الصراع كانت دعوة النبي ﷺ تولد في جزيرة العرب، بعيدةً عن أن تُفتح عليها جبهات كبرى مع تلك القوى العالمية.
ولم يكن ذلك مجرد مصادفة في حركة التاريخ، بل كان من تدبير الله سبحانه؛ إذ انشغل أولئك الكبار ببعضهم، وحُصرت المواجهة في تلك المرحلة بين النبي ﷺ وبين كفار قريش، حتى اشتد عود الدعوة، وترسخت أقدامها، وبُنيت الدولة التي حملت الرسالة إلى العالم.
وهذه سنّة ماضية في التاريخ، أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾
فالتدافع بين القوى المتصارعة ليس مجرد فوضى سياسية، بل هو جزء من السنن التي يجري بها تدبير الله لأمر الأمم.
وقد شهد تاريخ المسلمين تكرار هذه السنة في لحظات التحول الكبرى.
ففي المشرق الإسلامي برز سبكتكين مؤسس الدولة الغزنوية (المتوفي سنة 387 هـ)، فثبّت سلطان المسلمين في خراسان وما وراء النهر، ثمَّ أخَذَ يُغيرُ على أطرافِ الهِندِ، وافتتح قِلاعًا، وتَمَّت له ملاحِمُ مع الهنودِ، وافتَتَح ناحيةَ بُست، وكان سبكتكين ناصِرًا للسُّنَّة وقامِعًا للبِدعةِ.
ثم جاء بعده ابنه محمود الغزنوي (المتوفي 421 هـ)، الذي وسّع رقعة الدولة وفتح بلادًا واسعة في الهند، وقاد حملات متتابعة نشر بها الإسلام في آفاق بعيدة من شبه القارة الهندية. ولَقَّبَه يمينَ الدَّولة، وفَرَضَ على نفسِه كُلَّ سَنةٍ غَزوَ الهندِ، فافتتح بلادًا شاسعةً منها، وكسَّرَ أصنامَ الهندِ، وأعظَمُها عند الهُنودِ سومنات. وكان إلبًا على القرامِطةِ والإسماعيليَّةِ، والفلاسِفةِ المتكَلِّمةِ،
وفي مرحلة أخرى من التاريخ، حين ضعفت الخلافة العباسية واشتدت سيطرة الدولة البويهية عليها، ظهرت قوة السلاجقة بقيادة السلطان طغرل بك (المتوفي 455 هـ)، الذي دخل بغداد سنة 447هـ وأنهى هيمنة البويهيين عليها، فأعاد للخلافة العباسية هيبتها وسلطانها بعد عقود من الضعف.
ثم جاءت مرحلة الصراع مع الحملات الصليبية، وكانت الأمة تعيش حالة تفرق شديد، حتى ظهر عماد الدين زنكي (المتوفي 541 هـ)، فاستعاد مدينة الرُّها سنة 539هـ، وكان ذلك أول كسر حقيقي للمشروع الصليبي في المنطقة وبداية تحول في موازين الصراع.
ثم جاء القائد الكردي الفذ صلاح الدين الأيوبي (المتوفي 589 هـ)، فبدأ أولًا بتوحيد الجبهة الإسلامية، وقضى على الدولة الفاطمية في مصر سنة 567 هـ، فأعاد مصر إلى الخلافة العباسية ووحّد الجبهة السياسية والعسكرية.
وبعد أن اكتمل هذا التوحيد، واجه الصليبيين مواجهة حاسمة، فكانت معركة حطين سنة 583 هـ التي مهدت لتحرير القدس في العام نفسه، فعادت للأمة هيبتها بعد عقود طويلة من الضعف.
لكن سنة التداول في التاريخ لا تتوقف؛ فبعد هذه المرحلة القوية بدأت الدولة الإسلامية تدخل مرة أخرى في طور من الضعف والانحدار، حتى وقعت الكارثة الكبرى حين اجتاح التتار ديار المسلمين وأسقطوا الخلافة العباسية سنة 656هـ وقتلوا الخليفة، فاهتز العالم الإسلامي هزة عنيفة.
غير أن سنّة الله في التدافع عادت مرة أخرى، فقيّض الله للأمة قوة جديدة، فبرز العثمانيون الذين استطاعوا أن يعيدوا للأمة هيبتها وسلطانها، وأقاموا دولة عظيمة استمرت قرابة ستة قرون، حملت لواء الإسلام ودافعت عن ديار المسلمين.
حتى جاء العصر الحديث، فتكاتفت القوى الأوروبية بقيادة الاستعمار البريطاني وحلفائه، وأسقطت الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، لتدخل الأمة مرحلة جديدة من الضعف والتجزئة.
وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر، رأينا صورةً أخرى من صور هذا التدافع؛ فالصراع القائم اليوم بين القوى الكبرى، ومنه التوتر والصدام بين أمريكا وإيران وما يتفرع عنه من صراعات في المنطقة، قد يكون مثالًا جديدًا لانشغال الظالمين ببعضهم وإضعاف بعضهم بعضًا.
فمثل هذه الصراعات، وإن بدت للناس مجرد نزاعات سياسية، قد تكون في ميزان السنن الإلهية مرحلةً يُضعِف الله فيها قوى الظلم ببعضها، ويمهّد بها لمرحلةٍ جديدة تتهيأ فيها للأمة فرصة للنهوض من جديد.
وهكذا تمضي سنن الله في التاريخ؛
فما يراه الناس فوضى وصراعًا قد يكون في حقيقته تدبيرًا إلهيًا يهيّئ لمرحلةٍ جديدة تولد من قلب الأزمات.
فالأمة قد تضعف لكنها لا تموت، وكلما اشتد الظلام هيّأ الله لها من يشعل فيها من جديد شعلة النهوض.


