أعاد الإعلان الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التوصل إلى خارطة طريق لإنهاء الحرب في قطاع غزة الجدل حول فرص الوصول إلى تسوية دائمة، في ظل تمسك كل من إسرائيل وحركة حماس بشروط متعارضة، ما يجعل تنفيذ أي اتفاق مرهونًا بتنازلات سياسية وأمنية معقدة.
وقال القيادي في حركة حماس غازي حمد إن الحركة لن تمضي في تنفيذ أي ترتيبات تتعلق بالسلاح أو الإدارة المدنية قبل التزام إسرائيل الكامل بما تم الاتفاق عليه في شرم الشيخ، وفي مقدمة ذلك وقف العمليات العسكرية، والانسحاب التدريجي من القطاع، وتوسيع دخول المساعدات الإنسانية. وفي المقابل، تؤكد الحكومة الإسرائيلية أنها لن تنسحب من مواقعها الحالية قبل تنفيذ نزع سلاح حماس بصورة فعلية، بينما يواصل وزراء في الائتلاف الحاكم، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير، رفض أي اتفاق يرون أنه يمنح الحركة مكاسب سياسية أو عسكرية.
ويرى خبراء أن الأزمة الحالية ليست في صياغة المبادرات، وإنما في غياب الثقة بين الطرفين، إذ سبق أن انهارت تفاهمات سابقة بسبب الخلاف حول ترتيب تنفيذ الالتزامات، وهو ما يعيد المشهد نفسه إلى الواجهة.
وقال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن نجاح أي مبادرة مرهون بوجود آلية رقابة دولية تضمن تنفيذ الالتزامات بشكل متزامن، موضحًا أن “المشكلة الجوهرية تتمثل في أن كل طرف يريد من الآخر أن يبدأ أولًا، وهو ما أدى إلى تعثر الاتفاقات السابقة”.
وأضاف الرقب أن الحديث عن تسليم السلاح أو إعادة هيكلة الوضع الأمني في غزة لن يكون واقعيًا ما لم يسبقه وقف دائم لإطلاق النار، وضمانات بعدم استئناف العمليات العسكرية، مع توفير بيئة إنسانية تسمح بعودة الحياة الطبيعية إلى القطاع.
من جانبه، قال الدكتور مخيمر أبو سعدة، أستاذ العلوم السياسية، إن أي اتفاق يحتاج إلى توافق إقليمي ودولي واسع، وليس مجرد تفاهم بين إسرائيل وحماس، موضحًا أن مصر وقطر والولايات المتحدة ستظل أطرافًا أساسية في مراقبة التنفيذ، بينما سيكون للدول الأوروبية دور مهم في تمويل إعادة الإعمار.
وأضاف أن تشكيل لجنة وطنية تكنوقراطية لإدارة غزة قد يمثل خطوة إيجابية إذا حظي بتوافق فلسطيني داخلي، لكنه أشار إلى أن نجاحها يعتمد على طبيعة الصلاحيات الممنوحة لها، ومدى قبول إسرائيل بالتعامل معها.
بدوره، يرى يوسي ميلمان، المحلل الإسرائيلي المتخصص في الشؤون الأمنية، أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قد تنظر بإيجابية إلى أي صيغة تؤدي إلى إنهاء القتال وإبعاد حماس عن الإدارة العسكرية للقطاع، إلا أن الضغوط السياسية داخل الحكومة قد تعرقل اتخاذ قرارات كبيرة، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
وأشار ميلمان إلى أن الأحزاب اليمينية تعتبر أي انسحاب قبل نزع السلاح مخاطرة أمنية، وهو ما يفسر استمرار التصريحات الرافضة للاتفاق من بعض الوزراء.
أما آرون ديفيد ميلر، الزميل البارز في مؤسسة كارنيغي والمفاوض الأمريكي السابق، فيرى أن أي اتفاق طويل الأمد يحتاج إلى ضمانات أمريكية واضحة وآليات تنفيذ قابلة للقياس، مؤكدًا أن التجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات التي تفتقر إلى آليات رقابة مستقلة تكون أكثر عرضة للانهيار.
وأوضح أن الإدارة الأمريكية تستطيع لعب دور الضامن، لكن نجاحها سيظل مرتبطًا بقدرتها على الضغط على جميع الأطراف، وليس على طرف واحد فقط.
من جهته، قال هيو لوفات، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن مستقبل غزة لا يرتبط فقط بوقف إطلاق النار، بل يتطلب رؤية سياسية شاملة تشمل إعادة الإعمار، وإصلاح الإدارة المدنية، وإيجاد أفق سياسي للقضية الفلسطينية.
وأضاف أن التركيز على الملف الأمني وحده دون معالجة الأسباب السياسية للصراع سيؤدي إلى عودة التوترات بعد فترة قصيرة.
ويرى الباحث في الشؤون الإقليمية أندرياس كريغ أن إنشاء لجنة وطنية لإدارة غزة قد يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية، لكنه يحتاج إلى دعم عربي ودولي واسع، إضافة إلى توافق فلسطيني يمنع حدوث فراغ إداري أو أمني.
وأشار إلى أن نجاح هذه اللجنة سيعتمد على قدرتها على إدارة الخدمات الأساسية وإعادة بناء المؤسسات، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
وفي السياق ذاته، قال جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)، إن التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من إعلان سياسي إلى خطوات عملية على الأرض، موضحًا أن الملفات الأمنية والإنسانية والسياسية مترابطة بشكل يجعل أي تأخير في أحدها ينعكس على بقية المسارات.
وأضاف أن المجتمع الدولي مطالب بوضع جدول زمني واضح، وآليات متابعة دقيقة، لضمان عدم تكرار إخفاقات المبادرات السابقة.
ويجمع عدد من المحللين على أن خارطة الطريق الجديدة تمثل فرصة لإحياء مسار التهدئة، لكنها لا تزال تواجه عقبات كبيرة، أبرزها الخلاف حول ترتيب تنفيذ الالتزامات، ومستقبل سلاح الفصائل، وآليات الانسحاب الإسرائيلي، إضافة إلى الانقسامات السياسية داخل إسرائيل، واستمرار انعدام الثقة بين الجانبين.
وفي حال نجحت الوساطات الدولية والإقليمية في تقريب وجهات النظر، فقد تمثل المبادرة بداية مرحلة جديدة في غزة، أما إذا استمر كل طرف في التمسك بشرط تنفيذ الطرف الآخر أولًا، فإن الاتفاق قد يواجه المصير نفسه الذي واجهته مبادرات سابقة، لتبقى الأزمة مفتوحة على مزيد من التعقيد السياسي والإنساني.






