لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها مدن غرب ليبيا مجرد تحركات مطلبية احتجاجًا على انقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات، بل دخلت مرحلة أكثر حساسية بعد انتقالها إلى العصيان المدني وإغلاق مقار وزارات ومؤسسات عامة وشركات اقتصادية، في تطور يعكس تصاعد الغضب الشعبي واتساع دائرة التشكيك في قدرة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة على إدارة المرحلة الحالية. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المحتجين باتوا يرفعون سقف مطالبهم من تحسين الخدمات إلى المطالبة برحيل الحكومة وإعادة ترتيب المشهد السياسي، وسط استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر مسار الانتخابات.
الاحتجاجات تتجاوز أزمة الكهرباء إلى أزمة شرعية
جاءت موجة الاحتجاجات الأخيرة بعد أسابيع من تدهور خدمات الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة، لكن سرعة تطورها كشفت أن الأزمة تتجاوز البعد الخدمي. فقد شهدت طرابلس ومدن الزاوية وسوق الجمعة وجنزور وغيرها تحركات شملت إغلاق مقار وزارات وهيئات حكومية وإعلان العصيان المدني، كما امتدت الضغوط إلى مؤسسات اقتصادية، بينها شركة مليتة للنفط والغاز، في محاولة لزيادة الضغط على حكومة الدبيبة.
ويرى مراقبون أن انتقال المحتجين من قطع الطرق إلى تعطيل مؤسسات الدولة يعكس تحولًا في أدوات الاحتجاج، إذ أصبح الهدف توجيه رسالة سياسية مباشرة بأن الحكومة فقدت ثقة جزء من الشارع، وليس فقط المطالبة بتحسين الخدمات. كما أن تكرار الدعوات لعدم فتح المؤسسات الحكومية أو العودة إلى العمل يشير إلى محاولة إطالة أمد الضغط الشعبي حتى تحقيق مكاسب سياسية.
وتزداد حساسية المشهد مع استمرار الانقسام بين المؤسسات في شرق البلاد وغربها، وتأخر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهو ما جعل الاحتجاجات تتداخل مع الملفات السياسية والاقتصادية في آن واحد، بدل أن تبقى مرتبطة بأزمة الكهرباء فقط.
هل تهدد الاحتجاجات بقاء الدبيبة؟
رغم اتساع رقعة الاحتجاجات، فإن إسقاط حكومة عبد الحميد الدبيبة عبر الشارع وحده لا يبدو سيناريو مرجحًا في المدى القريب، بالنظر إلى طبيعة التوازنات السياسية والأمنية المعقدة في ليبيا، حيث يرتبط استمرار أي حكومة بتوافقات داخلية ودعم من أطراف محلية ودولية، وليس فقط بحجم الغضب الشعبي.
ومع ذلك، فإن استمرار الاحتجاجات واتساع العصيان المدني قد يضعف موقف الدبيبة التفاوضي، ويزيد الضغوط المطالبة بإعادة تشكيل السلطة أو تسريع التوافق على حكومة جديدة تقود البلاد نحو الانتخابات. كما أن أي تعطيل طويل للمؤسسات أو امتداد الاحتجاجات إلى منشآت الطاقة قد يرفع كلفة الأزمة اقتصاديًا وسياسيًا، وهو ما قد يدفع الفاعلين المحليين والدوليين إلى البحث عن تسوية جديدة.
وفي المقابل، يظل مستقبل الاحتجاجات مرهونًا بعدة عوامل، أبرزها قدرة الحكومة على احتواء أزمة الكهرباء وتحسين الخدمات، ومدى استمرار الحشد الشعبي، إضافة إلى موقف القوى المسلحة المؤثرة في غرب ليبيا، التي سيكون لها دور حاسم في تحديد اتجاه الأزمة.
وبناءً على المعطيات الحالية، تبدو الاحتجاجات قادرة على إضعاف حكومة الدبيبة وزيادة الضغوط عليها، لكنها لا تقدم حتى الآن ضمانة لإسقاطها، ما لم تترافق مع تغيرات في مواقف القوى السياسية والعسكرية أو توافق داخلي وخارجي على صيغة جديدة لإدارة المرحلة الانتقالية، وهو ما يجعل الأزمة مفتوحة على عدة سيناريوهات خلال الأسابيع المقبلة.


