لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها كل من ليبيا وتونس مجرد موجات غضب مرتبطة بأزمات معيشية أو مطالب اجتماعية، بل تحولت إلى مؤشر سياسي يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الحكومتان في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وتراجع القدرة على الاستجابة للمطالب الشعبية. ورغم أن المشهدين يبدوان متشابهين من حيث الدوافع، فإن طبيعة النظام السياسي وتركيبة الدولة في البلدين تفرض مسارين مختلفين قد يقودان إلى نتائج متباينة خلال المرحلة المقبلة.
ففي ليبيا، تتداخل الاحتجاجات مع أزمة الانقسام السياسي والمؤسساتي الممتدة منذ سنوات، بينما تتحرك الاحتجاجات في تونس داخل دولة ذات مؤسسات موحدة لكنها تواجه ضغوطًا اقتصادية ومالية متزايدة. وهذا الاختلاف يجعل مستقبل الاحتجاجات في البلدين مرهونًا بعوامل سياسية وأمنية مختلفة، رغم وحدة العنوان المتمثل في تراجع الخدمات وارتفاع كلفة المعيشة.
ليبيا.. أزمة خدمات تتحول إلى اختبار سياسي لحكومة الدبيبة
شهدت مدن غرب ليبيا خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق بعدما انتقلت الاحتجاجات من التظاهر بسبب انقطاع الكهرباء وتراجع الخدمات إلى العصيان المدني وإغلاق مقار وزارات ومؤسسات حكومية وشركات عامة، مع دعوات لمواصلة الضغط حتى رحيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
ويعكس هذا التطور انتقال المحتجين من المطالب الخدمية إلى توجيه رسائل سياسية مباشرة، في ظل تعثر إجراء الانتخابات واستمرار الانقسام بين المؤسسات في شرق البلاد وغربها. كما أن اقتراب بعض التحركات من منشآت اقتصادية وقطاعات الطاقة يرفع من كلفة الأزمة على الحكومة، ويزيد الضغوط الداخلية والخارجية لإيجاد مخرج سياسي.
لكن رغم اتساع رقعة الاحتجاجات، فإن فرص إسقاط حكومة الدبيبة عبر الشارع وحده تبدو محدودة، لأن استمرارها لا يرتبط فقط برضا الشارع، وإنما أيضًا بتوازنات القوى المسلحة، والتفاهمات بين الأطراف الليبية، والمواقف الدولية الداعمة لمسار المرحلة الانتقالية.
ومن ثم، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار الضغوط السياسية على الحكومة، مع احتمال فتح باب مشاورات جديدة بشأن إعادة ترتيب السلطة أو تسريع التوافق على حكومة تقود البلاد نحو الانتخابات، أكثر من احتمال انهيار الحكومة بصورة مفاجئة.
تونس.. احتجاجات اقتصادية تضغط على الحكومة أكثر من الرئاسة
في المقابل، انطلقت الاحتجاجات في تونس على خلفية مطالب اجتماعية واقتصادية، أبرزها البطالة، وارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات العامة، وتأخر تنفيذ مشروعات التنمية، قبل أن تمتد إلى عدد من المحافظات.
ورغم رفع بعض الشعارات السياسية، فإن الطابع الاقتصادي لا يزال هو المحرك الأساسي للتحركات، في وقت تواصل فيه الحكومة مواجهة تحديات تتعلق بالتمويل والإصلاحات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية.
ويختلف المشهد التونسي عن ليبيا في أن مؤسسات الدولة ما تزال تعمل بصورة موحدة، ولا توجد ازدواجية في السلطة أو انقسام جغرافي، وهو ما يمنح الدولة قدرة أكبر على احتواء الاحتجاجات عبر الإجراءات الأمنية أو القرارات الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن الرئيس قيس سعيّد يحتفظ بصلاحيات دستورية واسعة بعد التعديلات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل الضغوط الشعبية تتجه في المقام الأول نحو أداء الحكومة والإدارة التنفيذية، أكثر من استهداف مؤسسة الرئاسة بشكل مباشر.
ومع ذلك، فإن استمرار الأزمة الاقتصادية دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى اتساع دائرة الاحتجاجات تدريجيًا، ويزيد الضغوط السياسية على السلطة التنفيذية خلال الأشهر المقبلة.
أين يلتقي المشهدان وأين يفترقان؟
رغم اختلاف السياق السياسي، فإن ليبيا وتونس تشتركان في عدد من المؤشرات؛ أبرزها تراجع الثقة الشعبية في الأداء الحكومي، وتصاعد الغضب بسبب الأوضاع المعيشية، واعتماد المحتجين على أدوات ضغط أكثر تنظيمًا واتساعًا مقارنة بالسنوات الماضية.
غير أن الفارق الجوهري يتمثل في أن الأزمة الليبية ذات طبيعة سياسية وأمنية ومؤسساتية معقدة، بينما تبقى الأزمة التونسية اقتصادية واجتماعية في الأساس، داخل دولة ما زالت مؤسساتها المركزية متماسكة.
وفي ليبيا، قد تصبح الاحتجاجات مدخلًا لإعادة تشكيل المشهد السياسي إذا تزامنت مع توافقات داخلية أو ضغوط دولية جديدة، بينما في تونس تبدو الاحتمالات أقرب إلى تعديل السياسات الاقتصادية أو إجراء تغييرات حكومية، دون أن تصل في المدى القريب إلى تهديد مباشر لمنصب الرئيس.
السيناريو الأقرب خلال الأسابيع المقبلة
تشير المؤشرات الحالية إلى أن الاحتجاجات في ليبيا مرشحة للاستمرار ما دامت أزمة الكهرباء والانقسام السياسي بلا حلول، مع احتمال اتساع الضغوط على حكومة الدبيبة، لكن دون وجود مؤشرات حاسمة على سقوطها في المدى القريب.
أما في تونس، فمن المرجح أن تستمر التحركات الاجتماعية بصورة متقطعة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية، إلا أن قدرة الدولة على الاحتواء الأمني والإداري، إلى جانب مركزية القرار السياسي، تجعل فرص انتقال الاحتجاجات إلى أزمة تهدد النظام السياسي أو موقع الرئيس قيس سعيّد محدودة في الوقت الراهن.
وبذلك، فإن البلدين يقفان أمام موجة احتجاجات ذات منطلقات متشابهة، لكنها تسير في مسارين مختلفين؛ فليبيا تواجه أزمة شرعية سياسية داخل دولة منقسمة، بينما تواجه تونس أزمة اقتصادية داخل دولة موحدة، وهو ما يجعل مآلات الاحتجاجات في كل منهما مختلفة، رغم تشابه أسباب الغضب الشعبي.


