تواجه الأسواق العالمية توليفة معقدة من التحديات البنيوية والناشئة، حيث تتشابك معضلات المديونيات السيادية المتراكمة مع حمى الاستثمارات التكنولوجية غير المنضبطة، مما يفرض على المصارف المركزية وصناع القرار المالي تبني سياسات حمائية صارمة لكبح مخاطر التضخم الممتد والاضطرابات التمويلية الوشيكة.
تحذيرات دولية
نبه بنك التسويات الدولية إلى تصاعد المخاطر الناتجة عن تضخم الديون العامة، والهشاشة المالية، والضغوط التضخمية المستمرة، جنباً إلى جنب مع حالة الضبابية المصاحبة لطفرة التدفقات الاستثمارية الموجهة لقطاعات الذكاء الاصطناعي.
انضباط مالي
حض التقرير السنوي الصادر يوم امس الأحد الحكومات والمصارف المركزية على انتهاج سياسات نقدية صارمة، موضحاً أن متانة الاقتصاد العالمي الحالية تخفي عيوباً هيكلية وصدمات مستمرة في العرض قد تعيد التضخم لمستويات مرتفعة.
تكامل السياسات
أكد المدير العام للبنك، بابلو هيرنانديز دي كوس، على حتمية توافق الإجراءات السياسية الدولية لمنع التقلبات الاقتصادية الحادة، مشدداً على أن النجاح النهائي يرتكز أساساً على تشييد قواعد نقدية ومالية بالغة الصلابة.
توقعات التضخم
رصدت المؤسسة أربع بؤر ضغط رئيسية تتقدمها المخاوف من رسوخ التوقعات التضخمية لدى الشركات والأسر إثر اضطرابات سلاسل الإمداد، مما يعوق مساعي المصارف المركزية الرامية لضبط الأسعار وحماية الأسواق من التذبذب.
ووصف دي كوس التهدئة الأخيرة بين واشنطن وطهران وإعادة تشغيل مضيق هرمز بالخطوة الإيجابية التي جنبت الأسواق الدولية سيناريوهات كارثية، مستدركاً بأن أسواق الطاقة والنفط بحاجة لزمن إضافي لتستعيد استقرارها الطبيعي.
فقاعة التقنية
شبه البنك فورة الاستثمارات التقنية الحالية بدورات الانتعاش والكساد التاريخية السابقة، محذراً من أن المنافسة المحمومة واختناقات التوريد قد تقود الشركات للإفراط الاستثماري، فضلاً عن انعكاساتها السلبية المقلقة على سوق التوظيف والعمالة.
واوجدت الطفرة التكنولوجية تساؤلات جوهرية للمصارف المركزية حول طبيعة المتغيرات الاقتصادية الحالية، إلا أن دي كوس اعتبر أنه من غير الحكمة تقديم استجابات نقدية مسبقة ومحددة لتلك التحولات في الوقت الراهن.
تشابك المخاطر
ساهم نمو الاعتماد على القروض والهياكل التمويلية المعقدة في رفع هشاشة أسواق السندات، وتزامن ذلك مع صعود دور صناديق التحوط ذات الروافع المالية العالية، مما أوجد ترابطاً خطيراً بين الاستقرارين السيادي والمالي.
وتوقع فرانك سميتس، القائم بالأعمال النقدي بالبنك، أن تسفر العلاقة الجديدة بين الاستقرار المالي والسيادي عن هبوط حاد ومتكرر في قيمة السندات الحكومية، الأمر الذي قد يؤدي لتشديد متسارع وصعب في الأوضاع الائتمانية.
تقليص المديونية
طالب دي كوس بالإسراع في خفض الديون بالاقتصادات الكبرى لكونها تدار عبر مؤسسات مالية غير مصرفية، داعياً لإعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار، وضمان الاستدامة المالية، وتفعيل الرقابة المشددة، معتبراً أن أي تأخير سيرفع كلفة الإصلاح.
ويضع تقرير بنك التسويات الدولية الفاعلين الاقتصاديين أمام حقيقة حتمية تشير إلى أن الاستثمار في المستقبل الرقمي لا يمكن أن ينجح دون تطهير الميزانيات العمومية للدول من أعباء الديون المتراكمة؛ مما يتطلب حوكمة فورية للرقابة المالية لمنع تحول التفاؤل التكنولوجي إلى أزمة ائتمانية شاملة تعصف بالاستقرار العالمي.


