في أروقة اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، خرجت إلى النور مبادرة جديدة تحمل في طياتها ملامح “الإصلاح الإنساني”، لكنها تثير في الوقت ذاته تساؤلات استراتيجية حول “توقيت وكيفية” الاهتمام المفاجئ بالدول الجزرية والصغيرة.
وبينما كان رئيس البنك الدولي، أجاي بانجا، يجتمع خلف الأبواب المغلقة مع وزراء ومحافظي بنوك مركزية من 50 دولة صغيرة، كانت الأنفاس تُحبس بانتظار معرفة الثمن الحقيقي لهذه “المظلة الحمائية”.
إن هذه الاستراتيجية التي ترفع شعار مواجهة العزلة الجغرافية والتعرض للصدمات، تأتي في لحظة فارقة من صراع الممرات الملاحية.
فلم تعد تلك الجزر مجرد نقاط سياحية، بل تحولت إلى “نقاط ارتكاز” لوجستية في شطرنج النفوذ العالمي، مما يجعل من قروض التنمية والوظائف “سلاسل ناعمة” تربط هذه الجغرافيا بالمنظومة المالية التي تديرها واشنطن.
وظائف برتبة “رهائن اقتصادية”
كشفت كواليس الاجتماعات في واشنطن عن تفاصيل المبادرة التي تستهدف الدول ذات القواعد الاقتصادية الضيقة، من خلال التركيز على قطاعات حيوية مثل الصحة والطاقة المتجددة والبنية التحتية المتينة.
ويرى مسؤولو البنك الدولي أن خلق فرص عمل في هذه الدول هو السبيل الوحيد لتعزيز النمو، لكن وكالات الأنباء العالمية والمحللين الاقتصاديين يقرؤون ما بين السطور.
إذ إن ربط المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر بالتمويل الدولي يعني بالتبعية خضوع “النخب المحلية” في تلك الدول لإملاءات البنك الدولي طويلة الأجل.
إنها عملية “إعادة صياغة” للهياكل الاقتصادية للدول الصغيرة، بحيث تصبح وظائف مواطنيها مرتبطة بشكل عضوي باستمرار تدفق القروض الأمريكية، وهو ما يراه خبراء “لويدز ليست” محاولة لتأمين ولاء الجزر التي تقع على مسارات التجارة والممرات الملاحية الحساسة.
خداع “البنية التحتية المتينة”هل هي لخدمة الشعوب أم الأساطيل؟
يركز أجاي بانجا في استراتيجيته الجديدة على بناء “بنية تحتية متينة”، وهو المصطلح الذي يثير ريبة مراكز الدراسات الاستراتيجية مثل “ستراتفور”؛ فالبنية التحتية في دولة جزرية معزولة قد تعني تحويل الموانئ والمطارات إلى مرافق “مزدوجة الاستخدام” تخدم المصالح الدولية أكثر مما تخدم التجارة المحلية.
وتشير تقارير صحفية دولية إلى أن هذا الاهتمام بـ “الطاقة بأسعار معقولة” هو الجسر الذي تمر عبره الشركات الكبرى لفرض سيطرتها على الموارد السيادية لتلك الدول تحت مسمى الاستثمار.
إن التفاؤل الذي أبداه الوزراء الـ 50 في واشنطن يقابله حذر شديد من المراقبين الذين يرون في هذه المبادرة “فخاً لوجستياً” يهدف لإبقاء الدول الصغيرة ضمن مدار التبعية المالية، بعيداً عن أي إغراءات قد يقدمها “المحور الأوراسي” أو استثمارات طريق الحرير الصيني.


