يربط أحمد الشرع نجاح الإدارة السورية الجديدة، التي نشأت بعد 15 عاماً من الحرب والانهيار، بقدرتها على تحقيق تعافٍ اقتصادي سريع. وتصبّ تحركات دمشق الإقليمية والدولية في هذا الاتجاه، من السعي لتخفيف العقوبات الأميركية عبر قنوات خليجية، إلى محاولة جذب استثمارات من دول الخليج وتركيا، وصولاً إلى إرسال إشارات انفتاح سياسي قد تشمل مسارات تطبيع إقليمي، في إطار البحث عن تدفقات مالية تعيد تشغيل الاقتصاد المنهك.
المشهد الاقتصادي كارثي: 90% من السكان تحت خط الفقر، وقرابة 70% بحاجة إلى مساعدات إنسانية. الليرة فقدت نحو 99% من قيمتها منذ 2011، والناتج المحلي الإجمالي انكمش إلى أقل من نصف مستواه، فيما تراجع نصيب الفرد إلى ربع ما كان عليه قبل الحرب. الزراعة هبطت إلى نحو ربع إنتاجها السابق، والموارد النفطية المحدودة خارج سيطرة الحكومة، بينما تُقدّر الديون المتراكمة لروسيا وإيران بنحو 30 مليار دولار.
رغم هذا الواقع، اختارت الإدارة الجديدة مساراً اقتصادياً قائماً على الخصخصة وتحرير الأسواق وتقليص دور الدولة. أعلن الشرع التخلي عن صيغة “اقتصاد السوق الاجتماعي” التي طُبّقت في عهد بشار الأسد، والانتقال إلى “اقتصاد سوق تنافسي حر”. في هذا السياق، جرى وضع نحو 250 ألف موظف حكومي في إجازات قسرية أو الاستغناء عنهم، ضمن خطة لإعادة هيكلة جهاز الدولة الذي يضم أكثر من مليون موظف.
تقوم الرؤية الجديدة على أن المبادرة الخاصة والاستثمار الخارجي سيكونان محرك النمو الأساسي، مع دور للدولة يقتصر على توفير بيئة قانونية جاذبة ومنع الاحتكار. لكن منتقدين يرون أن تقليص الاستثمار العام في بلد دمّرت الحرب بنيته التعليمية والصحية يفاقم هشاشة المجتمع، خصوصاً أن التعافي يتطلب إعادة بناء رأس المال البشري قبل جذب الرساميل.
اللافت أن هذا التوجه لا يُطرح بوصفه خياراً تقنياً فحسب، بل باعتباره توجهاً سياسياً يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فتكريس “المنافسة الحرة” و”جاذبية الاستثمار” ضمن الإعلان الدستوري الانتقالي يمنح اقتصاد السوق مكانة شبه مبدئية في بنية النظام الجديد، ما يحدّ عملياً من أي تحول مستقبلي نحو نموذج تنموي تقوده الدولة.
في المحصلة، يراهن أحمد الشرع على أن الانفتاح الاقتصادي والخصخصة سيعيدان الثقة ويجذبان التمويل الخارجي، ويضعان سوريا على مسار النمو. غير أن نجاح هذا الرهان يبقى مشروطاً بقدرة الاقتصاد الحر على معالجة جذور الأزمة الاجتماعية التي فجّرت احتجاجات 2011، لا الاكتفاء بإعادة تدوير سياسات أثبتت سابقاً محدودية أثرها في تحقيق العدالة والاستقرار.


