لم تكن الأربعون يوماً الماضية مجرد مواجهة عسكرية إقليمية، بل كانت زلزالاً ضرب أساسات النظام المالي العالمي، ليعلن دخول الاقتصاد الدولي في “الاختبار الثالث” الأكثر خطورة خلال ست سنوات فقط.
فبينما كان العالم يلملم جراحه من جائحة كورونا وتبعات الحرب الروسية الأوكرانية، جاء الصراع في إيران ليضع “وجه الاقتصاد العالمي” أمام عملية تشويه قسرية.
وتحولت التوقعات من نمو حذر إلى “سيناريوهات قاتمة” تنذر بركود تضخمي لا يستثني أحداً، مع تحول ممرات التجارة في الشرق الأوسط إلى ساحات معارك لوجستية أعجزت كبار المخططين في “وول ستريت” وبروكسل.
شبح الركود يطرق أبواب المؤسسات الدولية
أكد تقرير ل “سي إن بي سي” ووكالات دولية أن الـ 40 يوماً الأولى من الحرب كانت كافية لقلب موازين الأعمال والأسعار رأساً على عقب.
وتتصاعد التحذيرات من مؤسسات مالية كبرى ومستثمرين حول العالم من خطر دخول الاقتصاد العالمي في حالة “ركود عميق” حال استمرار تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويرى المحللون أن صدمة العرض الحالية تختلف عن سابقاتها، كونها تضرب شريان الطاقة العالمي في وقت تعاني فيه البنوك المركزية من استنفاد أدواتها لمواجهة التضخم، مما يجعل “الوقوع في الهاوية” مجرد مسألة وقت إذا لم تتوقف آلة الحرب.
أسعار النفط فوق الـ 100 دولار
مع إعلان الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية واعتراض ناقلات النفط، عادت أسعار الخام لتتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل مجدداً، وهو ما وصفه خبراء الطاقة بـ “رصاصة الرحمة” على جهود كبح التضخم في أوروبا وأمريكا.
وبحسب التقارير، فإن مئات السفن العالقة وتعطل سلاسل التوريد أدى إلى ارتفاعات ملحوظة في أسعار الوقود والديزل ببريطانيا وألمانيا، مما يضع الحكومات الغربية تحت ضغط شعبي هائل.
هذا الاضطراب لم يقتصر على النفط، بل امتد ليشمل السلع الأساسية والأسمدة، مما يهدد بموجة غلاء غذاء عالمية جديدة.
تضرر الخليج والأسواق الناشئة.. خسائر بالمليارات
على الصعيد الإقليمي، رسمت التقارير صورة مقلقة لتأثير الحرب على الدول المجاورة؛ حيث كشف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) عن خسارة تقدر بنحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي في دول الخليج خلال الأسابيع الأربعة الأولى فقط.
كما خفض البنك الدولي توقعاته لنمو اقتصاديات المنطقة بمقدار 3.1 نقطة مئوية لتصل إلى 1.3% فقط لعام 2026.
وفي المقابل، بدأت أسواق أخرى مثل “أمريكا اللاتينية” تظهر كـ “ملاذات نسبية” للمستثمرين الهاربين من تقلبات الشرق الأوسط، في ظاهرة وصفت بـ “إعادة تسعير العالم” بناءً على المسافة من جبهات القتال.
البنوك في مهب الريح
لم يسلم القطاع المصرفي من شظايا الصراع، حيث حذرت وكالة “فيتش” العالمية من أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يؤدي إلى خفض التصنيف الائتماني لبعض البنوك في المنطقة، بما في ذلك البنوك السعودية، نتيجة زيادة مخاطر الأصول وضعف بيئة الأعمال.
وتؤكد الوكالات أن استدامة هذا الوضع تعني “تجفيف منابع الائتمان” للمشاريع الكبرى، مما قد يبطئ خطط التحول الاقتصادي الطموحة في المنطقة، ويجعل من استقرار القطاع المالي رهينة للتوافقات السياسية الدولية التي لا تزال تبدو بعيدة المنال.


