لم تعد المديونية العامة في الدول العربية مجرد مؤشر مالي عابر، بل تحولت إلى عامل حاسم يحدد قدرة الحكومات على تمويل قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ويؤثر بشكل مباشر على مواجهة الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية المتلاحقة.
تفاوت البنيات الاقتصادية
يشدد الخبير الاقتصادي محمد الشيكر على أن الدول العربية لا تشكل كتلة اقتصادية متجانسة نظراً لتباين مواردها ومستويات مديونيتها؛ فهناك دول تمتلك موارد واسعة وديونها محدودة، وأخرى تواجه ضغوطاً مركبة بسبب ضعف الإيرادات وتزايد الاحتياجات التمويلية.
ومن جهته، يوضح الخبير أمين سامي أن المديونية العامة العالمية بلغت نحو 94% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2025 مع توقعات ببلوغها 100% بحلول عام 2029 وفق بيانات صندوق النقد الدولي، مما يضاعف من وطأة تكلفة الاقتراض على الدول محدودة الإيرادات والمصادر.
خريطة المديونية العربية
تكشف بيانات صندوق النقد الدولي لصدارة السودان للقائمة بديون بلغت 334.4% من الناتج المحلي الإجمالي، تليها البحرين بنسبة 162.8%، ولبنان بـ 139.4%، وليبيا بـ 125.2%. وتضم فئة المديونية المرتفعة كلاً من تونس (86.1%)، ومصر (84%)، والأردن (82.5%)، بينما تسجل بلدان أخرى نسباً متفاوته مثل العراق (71.1%) والمغرب (66.6%) وفلسطين (55.9%) والجزائر (51.8%)، وصولاً إلى نسب أقل في دول الخليج وموريتانيا وجزر القمر، مع غياب بيانات محدثة لليمن وسوريا والصومال بسبب هشاشة الأوضاع.
الدين الداخلي والخارجي
يمثل تركيب الدين مفتاحاً أساسياً لقياس الأخطار المالية؛ إذ يختلف الدين الداخلي عن الخارجي المرتبط بدائنين أجانب أو بعملات صعبة.
ويشير الشيكر إلى أن اعتماد دول كمصر والمغرب على الدين المحلي يخفف من صدمات السيادة وسعر الصرف، بينما تصبح الدول المعتمدة على الدين الخارجي أكثر عرضة لتقلبات أسعار الفائدة واهتزاز العملات المحلية وتراجع موارد النقد الأجنبي.
معضلة التنمية
يشبّه الخبراء المديونية بـ”الكوليسترول”، إذ تعتمد قيمتها على طريقة توظيفها؛ فالقروض الموجهة للبنية التحتية والإنتاج تعزز القدرة على السداد، بينما يراكم الاقتراض الاستهلاكي الالتزامات من دون توسيع قاعدة الإيرادات.
وتتحول الديون إلى اختلال هيكلي حقيقي عندما لا تقابلها زيادة في الإنتاجية وفرص العمل، مما ينقل الأعباء بمرور الوقت إلى الأجيال المقبلة.
التكلفة الاجتماعية والإنفاق العام
تستحوذ فوائد الدين على حصص متزايدة من الميزانيات العامة، حيث بلغ صافي فوائد الدين العالمي للبلدان النامية نحو 995 مليار دولار سنة 2025، ويعيش مليارات البشر في دول تتجاوز فوائد ديونها إنفاقها على الصحة والتعليم.
وتنعكس هذه الضغوط على حياة الأسر عبر تقليص الدعم، وزيادة الضرائب والرسوم، وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة تراجع هوامش الحماية الاجتماعية.
قطاع الطاقة والمديونية
ترتبط استدامة المديونية ارتباطاً وثيقاً بقطاع الطاقة؛ إذ تواجه الدول المستوردة صدمات مالية عند ارتفاع أسعار النفط، بينما تتعرض الدول المصدرة لتقلبات الإيرادات العالمية.
ويمثل التحول نحو الطاقات المتجددة مدخلاً مالياً استراتيجياً لخفض فاتورة الواردات، لا سيما مع انخفاض تكاليف مشاريع الكهرباء المتجددة مقارنة بالبدائل الأحفورية، شريطة إدارتها بكفاءة تكفل أمن الطاقة والإنتاج المحلي.
وتؤكد المؤشرات العربية أن المديونية ليست حكماً نهائياً بالتعثر، بل هى أداة محكومة بكفاءة التوظيف والعائد الاقتصادي.
ويكمن التحدي الحقيقي في الانتقال من إدارة الدين كالتزام مالي ضاغط إلى إدارة الثروة والإنتاجية كضمانة لتحقيق الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية للأجيال القادمة.