أوضح رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان رؤيته لإنهاء الحرب الدائرة في السودان، داعياً إلى تسوية داخلية تؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار، وتوحيد الأسلحة تحت قيادة جيش وطني واحد، وحوار سياسي سوداني يفضي إلى وضع دستور وإجراء انتخابات، رافضاً في الوقت نفسه أي خطوة لمنح قوات الدعم السريع وضعاً مساوياً لوضع الدولة في أي عملية سياسية.
في مقال نُشر في مجلة “فورين بوليسي” بعنوان “كيفية إحلال السلام في السودان”، صرّح البرهان بأن جهود وقف إطلاق النار التي قادتها جهات خارجية على مدى السنوات الماضية قد فشلت في إنهاء الحرب. وأكد أن الأولوية الحالية يجب أن تتجاوز مجرد إسكات البنادق مؤقتًا؛ بل يجب أن تضمن عدم استئناف القتال بمجرد انحسار الاهتمام الدولي.
نُشر المقال في وقت يشهد فيه السودان نقاشاً حول سبل إنهاء الحرب وطبيعة العملية السياسية اللاحقة. في أغسطس/آب، اقترح البرهان مبادرة لإطلاق “حوار سوداني-سوداني”، وهي خطوة لاقت قبولاً من بعض القوى السياسية والمدنية، بينما عارضتها قوى أخرى.
يجب أن يكون السلام سودانياً
يستند اقتراح البرهان في المقام الأول إلى مبدأ ملكية السودانيين لعملية السلام، مع السماح بدور دولي في المراقبة والمساعدة، بدلاً من فرض شكل التسوية السياسية.
وذكر البرهان في مقاله أن “السلام يجب أن يكون من صنع السودانيين، وللسودانيين، وفي السودان”، مضيفاً أن الشراكة الدولية مرحب بها وأن المراقبين ذوي المصداقية يمكنهم إضفاء مزيد من الشرعية والانضباط على أي اتفاق.
ومع ذلك، فقد اعتبر الاتفاقيات التي تمليها عليه جهات خارجية غير قابلة للاستمرار، وعزا انهيار اتفاقيات وقف إطلاق النار إلى حقيقة أنها تمت صياغتها دون مشاركة سودانية كافية.
يتماشى هذا المنظور مع التحركات التي بدأها البرهان خلال الأشهر القليلة الماضية نحو حوار سياسي داخلي. ففي مايو/أيار، أعلن استعداده لحوار سياسي شامل حول أسس إعادة بناء الدولة واستكمال الانتقال المدني الديمقراطي؛ وفي وقت لاحق، في أغسطس/آب، اقترح ضمانات مؤقتة تسمح للشخصيات التي تواجه إجراءات قانونية بالمشاركة في الحوار المقترح.
يضع البرهان التمييز بين الدولة وقوات الدعم السريع في صميم رؤيته لأي تسوية، رافضاً أي وصف للحرب بأنها مواجهة بين متكافئين أو مجرد “حرب أهلية”.
وذكر أن الدولة السودانية وقوات الدعم السريع “لا تقفان على قدم المساواة، سواء من الناحية الأخلاقية أو القانونية”، مؤكداً أن الدولة التي يقودها تمثل السلطة الشرعية لدولة عضو في الأمم المتحدة، بينما يصف قوات الدعم السريع بأنها “جماعة شبه عسكرية”.
وعلى هذا الأساس، يرفض البرهان أي تسوية يعتقد أنها ستمنح شرعية سياسية لقيادة قوات الدعم السريع أو تعامل القوة ككيان على قدم المساواة مع الدولة.
وكان البرهان قد أعلن سابقاً في مارس/آذار أنه من وجهة نظره، يجب أن تتضمن أي مبادرة سلام انسحاب قوات الدعم السريع من مواقعها وتجميع قواتها؛ كما يجب أن تؤدي إلى القضاء على القوات المسلحة والأسلحة الموجودة خارج مؤسسات الدولة، مع وضع جدول زمني لتنفيذ التسوية.
ربط البرهان في مقاله موقفه بالأحداث التي وقعت في مدينة الفاشر، متهماً قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق في أعقاب سقوط المدينة في أكتوبر 2025. وجادل بأن هذه الأحداث تُظهر خطورة السماح لوقف إطلاق النار بأن يصبح مجرد فرصة للأطراف لإعادة تنظيم صفوفها.
جيش واحد بدون قوات موازية
تتمثل إحدى الركائز الأساسية لخطة البرهان في إعادة هيكلة الجهاز الأمني في أعقاب وقف إطلاق النار، بما يضمن بقاء جيش وطني واحد فقط في السودان.
وذكر أنه بمجرد ترسيخ وقف إطلاق النار، يجب أن يرتكز الأمن على “جيش وطني موحد”، بدلاً من وجود قوات مسلحة متوازية ذات ولاءات ومصادر تمويل مختلفة.
يُعدّ هذا الشرط أساسياً لرؤية القيادة العسكرية لعملية التسوية. وقد أكّد البرهان سابقاً على ضرورة ضمان السلام الدائم لغياب الأسلحة خارج مؤسسات الدولة أو التشكيلات العسكرية التي تعمل خارج نطاق الشرعية الوطنية.
يربط البرهان توحيد المؤسسة العسكرية بالعودة إلى الحياة السياسية؛ فهو يتصور ترتيباً أمنياً لما بعد وقف إطلاق النار يمكّن الدولة من استعادة سلطتها، يليه انتقال إلى عملية سياسية أوسع.
خطة معروضة على مجلس الأمن
صرح البرهان بأنه قدم خطة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تهدف إلى تحقيق وقف دائم لإطلاق النار والانتقال لاحقاً إلى نظام حكم يشمل المدنيين.
بحسب الرؤية الواردة في المقال، تتضمن المرحلة الأمنية إخراج المقاتلين والأسلحة من المناطق المدنية تحت إشراف ومساعدة الأمم المتحدة. وهذا من شأنه أن يهيئ الظروف اللازمة للانتقال من وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية تمكّن الدولة من أداء وظائفها بفعالية.
تتبلور هذه الرؤية وسط خلاف أوسع نطاقاً حول تسلسل عملية التسوية. فقد أكدت مواقف البرهان السابقة على ضرورة معالجة وضع قوات الدعم السريع وأسلحتها كعنصر أساسي في أي إنهاء دائم للحرب، بينما اقترحت القوى المدنية المناهضة للحرب نهجاً متزامناً يشمل وقف إطلاق النار، وتقديم المساعدات، وإطلاق عملية سياسية.
دستور “صاغته أيادٍ سودانية”
أما الجانب السياسي من رؤية البرهان، فهو يتمحور حول إطلاق حوار داخلي يحدد من خلاله الشعب السوداني نفسه طبيعة النظام السياسي لما بعد الحرب.
وذكر أن أي تسوية سياسية يجب أن تنجم عن “حوار سوداني” وأن الدستور المستقبلي يجب أن تتم صياغته “بأيدي سودانية”، وليس في الخارج.
في إطار الإطار المقترح، تهدف المرحلة اللاحقة إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة تخضع للمراقبة الدولية، تليها عملية انتقال سلسة للسلطة تعيد للشعب السوداني الحق في تحديد شكل الحكم الخاص به.
يصف البرهان الحكومة التي يقودها بأنها حكومة انتقالية، معترفاً بأنها “بعيدة كل البعد عن المثالية” مع تأكيده في الوقت نفسه على التزامها بالقانون الدولي ومساءلتها.
قطع التمويل والإمدادات
لا يقتصر البرهان على تحديد شروط إنهاء الحرب بالمسارين العسكري والسياسي فقط؛ بل إنه يحدد وقف التدخل الأجنبي وقطع خطوط التمويل والإمداد لقوات الدعم السريع كعناصر أساسية لأي تسوية مستدامة.
وفي مقاله، اتهم جهات خارجية وشبكات عابرة للحدود بتمويل المقاتلين الأجانب وتعزيز القدرات العسكرية لقوات الدعم السريع، بحجة أن جماعة مسلحة لا يمكنها خوض حرب بهذا الحجم بمفردها.
يؤكد البرهان أنه إذا ظلت مصادر الدعم الخارجي نشطة، فإن أي هدنة تفشل في معالجة هذه الشبكات يمكن أن تصبح ببساطة فرصة لإعادة التسلح وإعادة تنظيم القوات، بدلاً من أن تكون سبيلاً لإنهاء الحرب.
وفي ظل هذه الخلفية، قام بقطع التمويل وخطوط الإمداد التي تمكن منظمة “مدافعون عن الحرية” من مواصلة النضال من أجل مطلب رئيسي موجه إلى المجتمع الدولي.
أربعة مطالب من المجتمع الدولي
في مقاله، حدد البرهان أربعة تدابير يسعى إلى الحصول على دعم المجتمع الدولي لها، بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
يتمثل المطلب الأول في الحصول على الدعم فيما يتعلق بالخطة التي ذكر أنه قدمها إلى مجلس الأمن لتحقيق وقف دائم لإطلاق النار وتمهيد الطريق لعملية سياسية.
أما الثاني فيتضمن قطع مصادر التمويل وخطوط الإمداد التي تصل إلى قوات الدعم السريع.
أما الأمر الثالث فيتعلق بتقديم المساعدة والدعم للأمم المتحدة لتمكينها من مراقبة أي وقف إطلاق نار مستقبلي.
أما النقطة الرابعة فتتمثل في منح الشعب السوداني المساحة اللازمة لتحديد مستقبله السياسي بنفسه، بدلاً من فرض ترتيبات سياسية من الخارج.
تكشف هذه المطالب عن الدور الذي يتصوره البرهان للمجتمع الدولي: توفير الدعم الأمني والإنساني والمراقبة للاتفاق، فضلاً عن ممارسة الضغط على المصادر التي تمد قوات الدعم السريع، مع ترك تحديد النظام السياسي والدستور ومستقبل الحكم للعملية السودانية الداخلية.
لخص البرهان رسالته إلى المجتمع الدولي بقوله: “ثقوا بأمتنا لتكتب سلامها بنفسها”، مؤكداً أن الشعب السوداني، الذي عانى سنوات من الحرب، هو من يملك الحق في تحديد طبيعة السلام الذي يضع حداً لها.
واختتم رؤيته بالدعوة إلى سلام “محلي المنشأ، وليس مفروضاً”، سلام قائم على سيادة القانون والمؤسسات القوية، معتقداً أن السودان قادر على بناء هذا السلام بنفسه، وإن كان ذلك بمساعدة المجتمع الدولي.


