♦♦♦ خلف الواجهات الزجاجية الأنيقة، والياقات البيضاء في واشنطن، حيث تُصنع قرارات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ثمة “ماكينة” لا تتوقف عن الدوران.
ليس لإنقاذ الفقراء كما تزعم شعاراتها، بل لإحكام الحصار على الشعوب باسم “الاستقرار المالي”.
إننا أمام “دورة حياة” شيطانية للصراعات؛ حيث تبدأ واشنطن بفرض حصار مالي يخنق الشعوب، ثم تأتي الحروب لتدمير البنية التحتية، وبعد صمت المدافع، يظهر “المنقذ” المتمثل في قروض إعادة الإعمار التي تحوّل الدول إلى “رهائن” للأبد.
إنها الاستراتيجية التي وصفها فيلم “إنترناشيونال” (The International) بدقة مرعبة؛ حيث البنوك لا تقرض المال لتبني، بل تقرض المال “لتتحكم في الديون”، مما يجعل من الحروب استثماراً رابحاً في كل حالاته، ومن المؤسسات المالية عصابات منظمة برداء ديبلوماسي. ♦♦♦
مختبر العراق وأفغانستان.. هندسة الديون فوق الأطلال
لم تكن تجربة العراق بعد عام 2003 سوى النموذج الصارخ لما يصفه الخبراء بـ “رأسمالية الكوارث”.
فبينما كانت الطائرات الأمريكية تدمر الجسور والمطارات، كان صندوق النقد الدولي يضع “مشرط الجراحة” على الاقتصاد العراقي، فارضاً شروطاً قاسية مقابل قروض إعادة الإعمار التي ذهب معظمها لشركات المقاولات الأمريكية.
وفي أفغانستان، تحولت المساعدات والقروض إلى “ثقب أسود” استمر لعقدين، حيث كشفت تقارير وكالات أنباء عالمية مثل “رويترز” أن الأموال التي أُقرضت للحكومات المتعاقبة كانت تهدف لربط كابول بالمنظومة البنكية الغربية أكثر من بناء مدارس أو مستشفيات.
مما ترك الشعب الأفغاني في النهاية غارقاً في الجوع والديون بعد انسحاب “المقرض” وترك البلاد لمصيرها المجهول.

طهران.. حين يُستخدم الصندوق كـ “حبل مشنقة”
في الملف الإيراني، تبرز ازدواجية المعايير بوضوح فج؛ حيث يرى محللون في مراكز دراسات بحرية وسياسية أن واشنطن استخدمت نفوذها داخل صندوق النقد الدولي لمنع طهران من الحصول على “قروض طوارئ” حتى في أحلك الظروف الإنسانية (مثل جائحة كورونا).
ويهدف ذلك إيصال الدولة إلى حالة الانهيار الكلي، وهذا “الابتزاز المالي” يهدف لإجبار الشعوب على الانقلاب ضد حكوماتها، أو القبول بشروط “تجريد السلاح” مقابل لقمة العيش.
إنها عملية “خنق منظم” تجعل من قرار القرض أو منعه أداة سياسية بامتياز، تُستخدم لترويض القوى الصاعدة التي تجرؤ على الخروج من العباءة الأمريكية، وهو ما تصفه الصحافة الدولية بـ “الإرهاب المالي” المغلف بقوانين البنوك.
فخ “إعادة الإعمار”.. القرض الذي يبتلع السيادة
تجمع مراكز بحثية مثل “تشاتام هاوس” و”ستراتفور” على أن الديون طويلة الأجل التي تمنحها هذه المؤسسات للدول المدمرة بعد الحروب هي “سلاسل غير مرئية”.
فالحكومات التي تقبل هذه القروض تضطر لخصخصة مواردها وبيع أصولها الوطنية (موانئ، آبار نفط، اتصالات) لسداد فوائد الديون.
هنا تكتمل الدائرة التي أشار إليها الممثل الامريكى الشهير “كلايف أوين” في فيلمه الشهير: “من يسيطر على الديون، يسيطر على كل شيء”.
فالدول الفقيرة التي دمرتها الحروب الأمريكية تجد نفسها مجبرة على الاقتراض من نفس “الجلاد” لإعادة بناء ما دمره، لتكتشف في النهاية أنها فقدت قرارها السياسي المستقل وأصبحت مجرد “مستعمرة مالية” تدار من مكاتب واشنطن.

توحش المؤسسات وضياع حقوق الشعوب
الحقيقة المرة التي تظهر من تتبع مسارات القروض الدولية هي أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ليسا مؤسستين للتنمية، بل هما “أذرع لوجستية” ملوثة بالدماء المخفية فى أيادى نظيفة، لنظام عالمي يقتات على الأزمات والتدمير والدم والفقر.
وكما جسد فيلم “إنترناشيونال” الحقيقة ببراعة، فإن الهدف النهائي ليس السلم العالمي، بل إبقاء الشعوب تحت وطأة “الاحتياج الدائم”.
التوأم المالى
إن هذا التوحش الذي يمارسه “التوأم المالي” ” بريتون وودز” في واشنطن حول العالم إلى ساحة كبرى لابتزاز الفقراء وتمويل الطغاة، مما يجعل من “ناصية العالم” الحقيقية ليست الممرات الملاحية فحسب، بل هي “ناصية القرار المالي” التي تُذبح عليها سيادة الدول واستقرار الشعوب لصالح القوة العظمى.
فالمؤسسات المالية الكبرى لا تبحث عن الربح من خلال الفوائد التقليدية، بل تقتات على “السيطرة على الديون” كأداة لإخضاع الدول.
إنها الفلسفة التي تجعل من المصرفي والجنرال وجهين لعملة واحدة، حيث يتم إغراق الشعوب الفقيرة بقروض ضخمة لتمويل صراعات مفتعلة أو صفقات سلاح مشبوهة، ليتحول البنك في نهاية المطاف إلى “سلطة فوق الدولة” تملك حق المنح والمنع.
احتياج واخضاع دائمين
هذا النظام الذي صوره الفيلم ببراعة، لا يسعى لبناء الاقتصادات بل لإبقائها في حالة “احتياج دائم”، حيث يمول الدمار أولاً، ثم يقرض الضحايا لإعادة الإعمار ثانياً، ليضمن بقاء “ناصية القرار السيادي” رهينة في قبضة الدائن للأبد، تماماً كما يحدث اليوم في مختبرات الصراع الممتدة من بغداد إلى طهران، حيث يُذبح الاستقرار على عتبات البنوك التي لا تشبع.
ويكشف التقصي في كواليس “بريتون وودز” عن حقيقة صادمة تتجاوز حدود الخيال السينمائي لفيلم “إنترناشيونال”؛ وهي أن الحروب لا تُربح فقط في ساحات القتال، بل تُحسم نتيجتها مسبقاً في مكاتب “المقرض الدولي”، وبالتنسيق مع بورصاتهم الشهيرة المتحكمة فى رؤوس الأموال عابرة الحدود.
صك عبودية
إن التوحش الذي تمارسه هذه المؤسسات ضد الشعوب الفقيرة ليس خللاً في النظام، بل هو “جوهر النظام” ذاته؛ حيث يتم استخدام القرض كصك عبودية حديث يمنح القوى العظمى حق الوصاية على الأصول السيادية والممرات الحيوية للدول المدمرة.
لقد أثبتت وقائع “العشرية الدموية” في الشرق الأوسط أن الديون طويلة الأجل هي “الأغلال غير المرئية” التي تضمن بقاء الدول في مدار التبعية، فبينما تعيد الشعوب بناء ما دمرته المدافع بأموال القروض، تكتشف أنها فقدت “ناصية قرارها” لصالح “عصابة دولية” تدير العالم بلغة الأرقام والفوائد المركبة.
إن الرسالة التي يجب أن يدركها العالم اليوم هي أن “الاستقلال المالي” هو الضمانة الوحيدة للسيادة الوطنية؛ فمن يملك الممرات الملاحية والقرار السياسي يجب ألا يسلم مفاتيح بيته لمن يبيع السلاح بيد، ويقرض ثمن الدفن والترميم باليد الأخرى.


