حذر البنك الدولي في أحدث تقاريره عن «الآفاق الاقتصادية العالمية» الصادر في يونيو/حزيران 2026 من أن الاقتصادات النامية تواجه أخطر أزمة مديونية منذ سنوات، بعدما تحولت الديون من وسيلة لتمويل التنمية إلى أحد أبرز العوامل التي تعرقل النمو الاقتصادي وتحد من قدرة الحكومات على الاستثمار وخلق فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.
ويشير التقرير إلى أن الأزمة الحالية تعود جذورها إلى الفترة التي أعقبت الأزمة المالية العالمية عام 2008، عندما استفادت الدول النامية من انخفاض أسعار الفائدة العالمية وسهولة الحصول على التمويل الخارجي، فتوسعت في الاقتراض لتمويل مشروعاتها وعجز موازناتها. لكن مع تغير الظروف الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الفائدة، أصبحت هذه الديون عبئًا متزايدًا يضغط على المالية العامة ويقيد فرص التنمية.
ويرى البنك الدولي أن ارتفاع الدين العام لا يقتصر تأثيره على زيادة حجم الالتزامات المالية، بل يمتد إلى رفع تكلفة الاقتراض بصورة متسارعة. فمنذ عام 2010 ارتبط ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بزيادة متوسط فروق العائد على السندات السيادية المقومة بالدولار بنحو 110 نقاط أساس، وارتفاع عوائد السندات الحكومية المحلية بنحو 30 نقطة أساس، ما أدى إلى زيادة تكلفة التمويل على الحكومات والقطاع الخاص في الوقت نفسه.
ويؤكد التقرير أن العلاقة بين حجم الدين وتكلفة الاقتراض أصبحت أكثر تعقيدًا، إذ إن كل زيادة جديدة في الدين تكون أكثر تكلفة من سابقتها، خاصة في الدول ذات التصنيف الائتماني المنخفض أو التي سبق أن تعرضت للتعثر في السداد أو تعتمد على الديون قصيرة الأجل، وهو ما يجعل أسواق المال أكثر حساسية تجاه أي مؤشرات على تدهور أوضاع المالية العامة.
ولا تقف المشكلة عند حجم الديون المعلنة، بل تمتد إلى ما يعرف بـ”الديون الخفية”، التي اعتبرها البنك الدولي أحد أخطر التحديات التي تواجه الاقتصادات الناشئة. فالكشف عن التزامات مالية غير معلنة يؤدي إلى اهتزاز ثقة المستثمرين وارتفاع علاوات المخاطر السيادية بصورة حادة، حتى وإن لم تكن قيمة الديون المكتشفة كبيرة.
ويضرب التقرير مثالًا بالسنغال، حيث كشفت مراجعة للحسابات الحكومية بعد انتخابات عام 2024 عن ارتفاع نسبة الدين العام لعام 2023 من 73.8% إلى 111% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ارتفع عجز الموازنة من 4.9% إلى 13.4%. وأدى ذلك إلى تعليق برنامج تمويل بقيمة 1.8 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي، وارتفاع هامش المخاطر السيادية من 530 إلى 940 نقطة أساس خلال شهرين فقط.
وفي موزمبيق، أدى الكشف عن ديون غير معلنة بقيمة 1.15 مليار دولار، تعادل نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي بنحو 700 نقطة أساس خلال ثلاثة أشهر، فيما انخفض متوسط معدل النمو الاقتصادي من 7% سنويًا قبل الأزمة إلى 3.6% بعدها، وهو ما يعكس التأثير المباشر لفقدان ثقة الأسواق على أداء الاقتصاد.
ويشير البنك الدولي إلى أن الأثر لا يرتبط فقط بحجم الديون المخفية، وإنما بدرجة الشفافية والمصداقية المالية للدولة. فقد أظهرت الدراسة أن الإعلان عن ديون غير معلنة يؤدي في المتوسط إلى ارتفاع تراكمي في هوامش المخاطر السيادية بنحو 250 نقطة أساس خلال ستين يومًا، نصفها تقريبًا يحدث خلال الأسبوعين الأولين من الإعلان، حتى في الحالات التي كانت فيها الديون المكتشفة محدودة كما حدث في باكستان وزامبيا وتركيا.
ويؤدي ارتفاع تكلفة الاقتراض إلى زيادة مدفوعات خدمة الدين، وهي الفوائد والأقساط التي تسددها الحكومات سنويًا، ما يستهلك جزءًا متزايدًا من الإيرادات العامة على حساب الإنفاق التنموي. ويحذر التقرير من أن الموارد التي كان يفترض توجيهها إلى التعليم والصحة والبنية الأساسية أصبحت تُستخدم بصورة متزايدة لسداد الالتزامات المالية، الأمر الذي يضعف الاستثمار العام ويحد من قدرة الحكومات على تنفيذ برامج التنمية.
ويصف البنك الدولي هذه الحالة بأنها “حلقة مفرغة”؛ فارتفاع الدين يؤدي إلى زيادة أسعار الفائدة، وارتفاع أسعار الفائدة يرفع تكلفة خدمة الدين، بينما يؤدي تراجع الإنفاق الاستثماري إلى إبطاء النمو الاقتصادي، وهو ما يقلل الإيرادات العامة ويجبر الحكومات على الاقتراض مجددًا، لكن هذه المرة بشروط أكثر صعوبة وتكلفة أعلى.
وفي ضوء هذه التطورات، يتوقع البنك الدولي أن تدخل شريحة واسعة من الاقتصادات النامية فيما يشبه “العقد الضائع” للتنمية. فباستثناء الصين والهند، لن تتمكن معظم الاقتصادات الناشئة من استعادة مسار التقارب مع مستويات دخل الدول المتقدمة قبل عام 2028، في ظل استمرار الضغوط المالية وارتفاع تكاليف التمويل.
كما خفض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصادات الناشئة والنامية إلى 3.6% خلال عام 2026، مقارنة بـ4.4% في عام 2025، بينما توقع أن يبلغ النمو العالمي نحو 2.5% فقط، وهو من بين أضعف المعدلات منذ جائحة كورونا باستثناء سنوات الركود العالمي.
وتزداد الضغوط على هذه الاقتصادات مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية عالميًا، إذ يشير التقرير إلى ارتفاع أسعار السلع بنحو 22% خلال عام 2026، مع وصول متوسط سعر النفط إلى نحو 94 دولارًا للبرميل، بزيادة تقارب 36% مقارنة بالعام السابق، إلى جانب ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنحو 30%، وهو ما يضيف أعباء جديدة على الدول المستوردة للطاقة ويرفع معدلات التضخم وتكاليف الإنتاج.
ويخلص التقرير إلى أن أزمة الديون لم تعد مجرد قضية مالية تتعلق بارتفاع نسب الاقتراض، بل أصبحت تحديًا تنمويًا شاملًا يهدد قدرة الاقتصادات النامية على تحقيق النمو المستدام وخلق فرص العمل والحد من الفقر. فكلما ارتفعت الديون، زادت تكلفة التمويل، وارتفعت خدمة الدين، وتراجع الاستثمار، وضعف النمو، لتجد الحكومات نفسها مضطرة إلى الاقتراض مجددًا، في دورة اقتصادية مغلقة يصعب كسرها دون إصلاحات مالية وهيكلية تعزز الشفافية، وترفع كفاءة الإنفاق العام، وتعيد بناء ثقة المستثمرين في اقتصادات الدول النامية.


