على وقع المفاوضات الدائرة في باكستان بين واشنطن وطهران، تجد الأسواق الأوروبية نفسها تسير فوق حبل مشدود بين آمال السلام ومخاوف الانهيار.
فرغم المكاسب الأسبوعية التي حققتها مؤشرات القارة، إلا أن بريق الصعود لا يزال باهتاً تحت ظلال مضيق هرمز المغلق جزئيا، والذي بات يهدد بشلل قطاع الطيران الأوروبي وتحويل “الهدنة الهشة” إلى أزمة طاقة ممتدة.
إنها لحظة استثنائية يتقاطع فيها الاقتصاد بالسياسة، حيث يراقب المستثمرون “بوابة العالم” في الخليج، مدركين أن استدامة اللون الأخضر على شاشات التداول مرهونة بنجاح الدبلوماسية في فتح الشرايين المسدودة قبل أن ينفد مخزون الوقود وتشتعل نيران التضخم مجدداً.
“ستوكس 600” يضمد جراح الحرب
سجلت الأسهم الأوروبية أداءً إيجابياً بنهاية تداولات امس الجمعة، مكملةً سلسلة مكاسب للأسبوع الثالث على التوالي، حيث أغلق المؤشر القياسي “ستوكس 600” مرتفعاً بنسبة 0.4% ليصل إلى مستوى 614.84 نقطة، محققاً نمواً إجمالياً بنسبة 3% خلال الأسبوع.
وجاء هذا الزخم مدعوماً بالانفراجة التي حدثت يوم الأربعاء، حين سجلت البورصات أكبر قفزة يومية لها منذ أربع سنوات عقب إعلان الهدنة، مما مكنها من تعويض جانب كبير من الخسائر الدامية التي تكبدتها منذ اندلاع العمليات القتالية في 28 فبراير الماضي.
وفي قلب هذا الصعود، تألقت البورصات الوطنية؛ حيث ارتفع المؤشر الإسباني بنسبة 0.6% و”كاك 40″ الفرنسي بنسبة 0.2%.
شبح “هرمز” وصرخة قطاع الطيران
بينما تسود حالة من “التفاؤل الحذر”، كما وصفها مارك هيفيلي من بنك “يو.بي.إس”، يوجه قطاع الطيران الأوروبي تحذيرات وصفتها وكالات الأنباء بـ “المرعبة”؛ حيث أكد قادة القطاع أن مخزونات وقود الطائرات في القارة قد لا تصمد لأكثر من ثلاثة أسابيع إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً.
وتتجه أنظار المحللين في “بلومبرغ” و”رويترز” نحو مفاوضات اليوم السبت، باعتبارها المفتاح الوحيد لتأمين إمدادات الطاقة العالمية.
ويرى الخبراء أن أي تعثر في إعادة فتح الممر المائي سيبدد أثر الهدنة الحالية، وسيدفع أسعار النفط، التي قفزت ببيانات التضخم الأمريكي لأعلى مستوياتها في أربع سنوات، إلى مستويات قد تخرج عن السيطرة.
انكماش “أسهم الدفاع” وانتعاشة السلع الفاخرة والبناء
في تحول لخريطة الاستثمار، شهد قطاع الدفاع والطيران تراجعاً بنسبة 2.2% عقب تقارير عن تهدئة محتملة على الجبهة الأوكرانية الروسية أيضاً؛ حيث هوت أسهم عمالقة السلاح مثل “راينميتال” و”ليوناردو” بأكثر من 5%.
وفي المقابل، قادت أسهم التكنولوجيا والقطاع المالي قاطرة الصعود بمكاسب بلغت 1.3%، تزامناً مع انتعاشة قوية لقطاع البناء.
كما أثبت قطاع السلع الفاخرة مرونته بصعوده 0.9%، مدفوعاً بالنتائج القوية لشركة “برونيلو كوتشينيلي” الإيطالية التي تفوقت على توقعات الأسواق، مما يعكس قدرة الشركات النوعية على المناورة رغم الضغوط التضخمية.
صدمات الشركات
رغم التفاؤل العام بنمو أرباح الشركات المدرجة بنسبة 4.2% للربع الأول، إلا أن الجلسة لم تخلُ من صدمات عنيفة؛ حيث هوى سهم “سوديكسو” الفرنسية بنسبة 10% إلى أدنى مستوى في ست سنوات بعد خفض أهداف الربحية، كما نال الإخفاق من سهم “ريبسول” الإسبانية الذي تراجع بنسبة 5.8% عقب نتائج مخيبة للآمال.
ويؤكد المحللون في مجموعة بورصات لندن أن هذه التقلبات الحادة تعكس حساسية الشركات الفردية لارتفاع تكاليف التشغيل الناتجة عن أزمة الطاقة، مما يجعل من بيانات التضخم القادمة “الفيصل الحقيقي” في تقييم مدى قدرة الاقتصاد الأوروبي على التعافي المستدام من صدمة الحرب الإيرانية.
اوكسجين المفاوضات
يجمع المحللون الاستراتيجيون على أن الأسواق الأوروبية تعيش حالياً على “أوكسجين المفاوضات”؛ فالمكاسب الأسبوعية هي مجرد “تثبيت للمراكز” بانتظار الدخان الأبيض من قاعة المباحثات الأمريكية الإيرانية. ويرى الخبراء أن الاختبار الحقيقي سيبدأ صباح الاثنين القادم؛ فإما أن تفتح “بوابة هرمز” وتتدفق الطاقة لتعزز نمو الشركات، أو يواجه قطاع الطيران والدفاع إعادة تسعير شاملة للمخاطر، مما قد يحول النمو المتوقع للأرباح إلى انكماش قسري تحت وطأة التضخم المستورد من ساحات القتال.


