د. عاصف سرت توركمن
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في العراق والمقررة في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وفقا للتعديل الثالث لقانون الانتخابات لعام 2018 المعدّل سنة 2023، تترقب الأوساط السياسية مشهدا انتخابيا يتّسم بالتنافس عبر نظام القائمة المفتوحة والتمثيل النسبي. هذه الانتخابات ستحدد ملامح مجلس النواب المقبل المكوّن من 329 مقعدا، وسط آمال متزايدة بأن يحقق التركمان حضورا فاعلا وعددا معتبرا من المقاعد، بعد سنوات طويلة من المعاناة والتهميش.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا أعدّ التركمان لهذه الانتخابات؟ وهل هم على استعدادٍ فعلي لخوض المنافسة بما يضمن لهم تمثيلا قويا؟ وماذا عن المرشحين من القائمتين التركمانيتين: قائمة جبهة تركمان العراق الموحّد (217) وقائمة تحالف إنقاذ تركمان كركوك (229)؟ هل انخرطوا في زيارات ميدانية حقيقية؟ وهل استمعوا إلى هموم المواطنين التركمان في كركوك وغيرها من المناطق ذات الثقل التركماني؟
يروي الأصمعي، أحد أئمة اللغة والأدب، أنه قال: “رأيتُ رجلا في البادية بلغ من العمر مئةً وعشرين سنة، فسألته عن سرّ نشاطه في مثل هذا العمر؟ فقال: تركتُ الحسد فبقي الجسد”. في هذه المقولة العميقة دروس وعِبر ينبغي أن يتأملها المرشحون من كلا القائمتين؛ فقبل أي شيء، توحيد القلوب هو الخطوة الأولى نحو توحيد الخطاب السياسي، والعمل بنية صافية هدفها الأسمى خدمة أبناء الشعب التركماني في عموم العراق.
إن وحدة الصف التركماني تمثل حجر الزاوية في بناء موقف سياسي متماسك، خاصة أن التركمان — بكل مذاهبهم وطوائفهم — تجمعهم مقوّمات قومية راسخة من العرق واللغة والتاريخ المشترك. ومن هنا، فإن نبذ الطائفية وتغليب المصلحة القومية العليا يظل الطريق الأمثل نحو قوة القرار التركماني في مؤسسات الدولة.
من الطبيعي أن تشهد كل انتخابات تنافسا سياسيا، لكنّ الرقي في هذا التنافس يقاس بمدى نُبله وشرفه، وبالابتعاد عن الحسد والنميمة وتشويه سمعة الآخرين. والمؤشرات الأولية تشير إلى أن القائمتين التركمانيتين تسعيان لتقديم تجربة انتخابية راقية، قائمة على التنافس الشريف والأهداف المشتركة.
ويبقى التحدي الأبرز أمام المرشحين هو كسب ثقة الناخبين، لا بالوعود الفضفاضة أو الشعارات الموسمية، بل بالالتزام بخطط واقعية وبرامج مقنعة. فالثقة تُبنى عبر التواصل الميداني الصادق والعمل الدائم، وليس عبر الحملات المؤقتة التي تسبق موعد الانتخابات.
إن ارتفاع نسبة المشاركة في التصويت سيعود بالنفع المباشر على المكوّن التركماني، إذ إن كل صوت إضافي يرفع من فرص فوز المرشحين التركمان، ويمنحهم الثقل السياسي المطلوب داخل البرلمان العراقي، بما يمكّنهم من الدفاع عن الحقوق القومية والسياسية والثقافية والاقتصادية.
من هنا، تأتي الدعوة إلى مشاركة واسعة وواعية من أبناء الشعب التركماني في هذه الانتخابات، تفكيرا في مستقبل قضيتهم القومية ومستقبل أبنائهم. فالمشاركة ليست مجرد واجب وطني، بل خطوة عملية نحو تمكين التركمان من نيل مكانتهم المستحقة في الدولة العراقية، والمساهمة الفاعلة في صنع القرار الوطني. حتى إذا لم يقتنع الناخب بأيٍّ من المرشحين، فإن مشاركته في الانتخابات تظل واجبا وطنيا، إذ إن الامتناع عن التصويت لا يُعبّر عن موقف واعٍ بقدر ما يمنح الفرصة للآخرين لتحديد مستقبل البلاد. لذلك، على الناخب أن يتوجّه إلى صناديق الاقتراع ويُعبّر عن رأيه، سواء بالتصويت لقائمته أو عبر اختيار من يراه الأقرب إلى رؤيته لمصلحة الوطن. وأدعو الناخبين إلى أن يتعاملوا بروحٍ إيجابية كما أشار الأعرابي، فالتخلّي عن السلبيات وفتح صفحة سياسية جديدة هو الطريق لضمان بقاء القضية التركمانية حيّة ومتجددة عبر الأجيال.
ختاما، نتمنى لجميع المرشحين التركمان الموفقية والنجاح في مساعيهم، وأن تكون الانتخابات المقبلة منعطفا إيجابيا نحو وحدة الكلمة والصف، وتثبيت حضور التركمان في المشهد السياسي العراقي.
“وما توفيقي واعتصامي إلا بالله.”







