استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، أمس المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك في دمشق، لبحث التطورات السورية والإقليمية وسبل التعاون بين الجانبين. وأعلنت الرئاسة السورية أن اللقاء تناول ملفات مشتركة مرتبطة بالأمن والاستقرار، من دون نشر تفاصيل كاملة عن التفاهمات التي جرى بحثها أو الإعلان عن اتفاق جديد.
ووبحسب مراقبين تكتسب الزيارة أهميتها من توقيتها؛ إذ تسعى الإدارة السورية إلى تثبيت الاستقرار الداخلي وتوسيع علاقاتها الخارجية، بينما تريد واشنطن الحفاظ على نفوذها في الملفات الأمنية والإقليمية المرتبطة بسوريا والعراق. لكن اجتماعًا رسميًا، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لإثبات حدوث تحول استراتيجي في العلاقات بين الطرفين.
وتشير طبيعة اللقاء إلى أن التواصل السياسي مستمر، وأن القنوات المباشرة ما زالت أداة لمعالجة الملفات الخلافية، ولكن غياب بيان تفصيلي بشأن النتائج يجعل من الضروري التمييز بين ما تأكد رسميًا، وهو انعقاد الاجتماع وبحث التعاون، وبين ما قد يُستنتج سياسيًا بشأن مستقبل العلاقات.
المصالح الأمريكية: تعاون أمني أم نفوذ طويل الأمد؟
ومن المهم الإشارة هنا إلي أن من مصلحة واشنطن أن تتعاون مع السلطات السورية في الملفات التي تمس الأمن الإقليمي ومكافحة التنظيمات المسلحة، وأن تحد من احتمالات اتساع الاضطرابات إلى دول الجوار.
وفي المقابل، قد ترى الإدارة السورية أن الحوار مع الولايات المتحدة يساعد على تخفيف العزلة السياسية، وفتح المجال أمام التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، ودعم جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة.

لكن المصالح ليست متطابقة بالضرورة. فالتعاون الأمني قد يمنح واشنطن قدرة أكبر على التأثير في القرارات السورية، في حين تريد دمشق الاحتفاظ بحرية قرارها الوطني، وتجنب أن تتحول الاحتياجات الأمنية والاقتصادية إلى وسيلة لفرض ترتيبات سياسية طويلة الأمد.
وهنا يبرز سؤال السيادة: هل يقود الحوار إلى تفاهمات متبادلة تحترم استقلال القرار السوري، أم يرتبط بتفاهمات أوسع تفرض قيودًا على خيارات دمشق الإقليمية؟ لا توجد في الإعلان الرسمي المتاح معلومات كافية للحسم بين الاحتمالين، ولذلك ينبغي التعامل معهما باعتبارهما مسارين محتملين، لا نتيجتين مؤكّدتين.
العلاقة مع دول الجوار عامل حاسم
لا يمكن في هذا السياق قراءة التقارب السوري الأمريكي بمعزل عن علاقات دمشق مع تركيا والعراق والأردن ودول الخليج، فضلًا عن الملف الإسرائيلي. فأي تفاهمات أمنية قد تؤثر في حسابات هذه الأطراف، خصوصًا إذا تعلقت بالحدود أو الجماعات المسلحة أو ترتيبات الانتشار العسكري.
وتملك تركيا، بحكم حدودها الطويلة مع سوريا وارتباطها المباشر بملفات الشمال السوري، مصالح أمنية وسياسية لا يمكن تجاوزها. كما أن العراق معني بمنع انتقال التهديدات الأمنية عبر الحدود، في حين ترتبط مصالح الأردن باستقرار الحدود والتجارة وعودة اللاجئين. ومن ثم، فإن نجاح أي تفاهم أمريكي سوري يتوقف جزئيًا على مدى توافقه مع مصالح الجوار، لا على التفاهم الثنائي وحده.

أما إسرائيل، فإن موقفها من أي ترتيبات جديدة سيظل مرتبطًا بما تراه مؤثرًا في أمنها وحركة القوات والجهات المسلحة قرب خطوط التماس. وهذا لا يعني أن اللقاء السوري الأمريكي تناول هذه الملفات تحديدًا؛ فالإعلان الرسمي لم يحدد موضوعات النقاش بالتفصيل.
التواصل بين واشنطن ودمشق
وفي السياق هناك ثلاثة مؤشرات ستساعد على تقييم النتائج الفعلية للزيارة. أولها صدور بيانات لاحقة تحدد ملفات التعاون والالتزامات المتبادلة. وثانيها ظهور خطوات عملية، مثل اتفاقات معلنة أو تغييرات واضحة في الإجراءات الأمنية والدبلوماسية. وثالثها انعكاس الحوار على العلاقات السورية مع دول الجوار، وعلى الملفات الاقتصادية والإنسانية التي تحتاج إلى تعاون دولي..
ومن هنا فإن لقاء الشرع وبرّاك يؤكد استمرار التواصل بين دمشق وواشنطن، لكنه لا يثبت بمفرده التوصل إلى صفقة سياسية أو أمنية جديدة. وستتحدد أهميته بقدر ما ينتج عنه من خطوات قابلة للتحقق، وبمدى قدرة سوريا على الاستفادة من الحوار دون التفريط في استقلال قرارها أو إهمال مصالح شركائها الإقليميين.


