د. محمد جلال القصاص يكتب: الحملة الفرنسية على مصر والشام

جاء الفرنسيون إلى مصر ورحلوا سريعًا، واختار الشعب مَن يحكمه، وبدأت مصر تبني نفسها بسواعد أبنائها، وأرسلت البعثات إلى الدول «المتقدمة»، وشيدت الطرق والكباري، وشقت الأنهار واستصلحت الأراضي، وأنشئ جيش قوي وسّع نفوذ حكام مصر حتى كاد يبتلع الدولة العثمانية. ثم ماذا؟!
بعد أن انتهت التجربة بمئة وخمسين عامًا بدأنا نفهم شيئًا آخر.. بدأنا نرى الصورة بشكلٍ آخر غير الذي قيل وقتها وبعدها لمئة وخمسين عامًا!!
بعد قرن ونصف بدأ الحديث عن أننا لم نَهزم الفرنسيين وإنما رجعوا لمشاكل تتعلق بتبعات الثورة في دولتهم، ورجعوا لحصار الإنجليز لهم في مصر، فقد دمَّر الإنجليز أسطولهم البحري بعد دخولهم مصر في معركة (أبو قير البحرية1798م)، وجلسوا لهم في البحر، ثم حملوهم كالأطفال وأعادوهم إلى فرنسا؛ ورجعوا لهزيمتهم في الشام بعد أن تجمع عليهم أهل الشام ومعهم الأتراك وخلفهم الإنجليز يمدونهم من البحر، ورجعوا بعد موت كثير من جنودهم بالطاعون؛ وفهمنا أنهم جاءوا للقضاء على صحوة كانت قد بدأت لتجديد الإسلام في الأمة.. صحوة بأدوات المجتمع الطبعية: المتمثلة في علماء الشريعة (الأزهر)، ومشاركة أهل الحل والعقد (أصحاب النفوذ) وأهل الرأي (الحكماء وأصحاب البصيرة في الأمور)، بمعنى أنهم قضوا على حركة تجديد كانت قد بدأت بالفعل؛ وفهمنا أن شباب الفرنجة (نابليون ورفاقه) وضعوا الأساس لتغيير المجتمع وتغيير نموذج الحكم؛ فتغيرت قيادة المجتمع من علماء الشريعة وأهل الحل والعقد إلى آخرين لهم اتصال بالسلطة الجديدة أو بالغرب (تجارة الغرب، وبعثات الغرب التبشيرية/ التعليمية/، وسفارات الغرب) وكانوا نصارى في الغالب. حتى علماء الشريعة أنفسهم تغيروا فظهر حسن العطار وتلميذه رفاعة الطهطاوي بدل عمر مكرم، وبدأت مزاحمتهم بمن تعلموا في البعثات العلمية، أو المتعلمين على مخرجات البعثات والنقولات عن الغرب. والمحصلة أننا بدأنا السير في طريق جديد.. كلنا (السلطة، والنخبة، والمجتمع) دخلنا طريقًا جديدًا.. تغير مسار الأمة.
بالفعل فهمنا ما حدث.. بالفعل زاد الوعي لدينا ولكن بعد قرنٍ ونصف… جاء الوعي متأخرًا.. بعد أن قضوا حاجتهم وانصرفوا.. بعد أن أخرجوا منا من أحبهم وانتسب إليهم!!