انتقدت قيادات في قوى الحراك الوطني السوداني ما اعتبرته تجاوزًا من بعض الآليات الإقليمية والدولية لدورها المعلن في الأزمة السودانية، محذرة من أن الانتقال من مهمة تيسير الحوار بين الأطراف السودانية إلى التدخل المباشر في إدارة العملية السياسية قد يؤدي إلى تعقيد الأزمة وإطالة أمدها بدلًا من المساهمة في حلها.
وخلال مؤتمر صحفي عُقد بمدينة بورتسودان، أكد رئيس قوى الحراك الوطني الدكتور التجاني سيسي أن أي دور خارجي ينبغي أن يظل محصورًا في تسهيل الحوار بين السودانيين وتوفير المناخ المناسب للتوافق الوطني، دون التدخل في تحديد القوى المشاركة أو رسم أجندة النقاش أو التأثير في مخرجات العملية السياسية.
وأشار سيسي إلى أن الحراك الوطني سبق أن طرح رؤية تقوم على إنشاء مظلة إقليمية ودولية ذات تفويض محدد يقتصر على التيسير، تضم مؤسسات ومنظمات معنية بالشأن السوداني، من بينها الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، إلا أنه اعتبر أن تعدد المبادرات وتداخل الاختصاصات بين الجهات المختلفة خلق حالة من الارتباك السياسي وأضعف فرص الوصول إلى توافق سوداني شامل.
وأوضح أن من أبرز الإشكالات التي ظهرت خلال الاجتماعات الأخيرة طريقة اختيار المشاركين، لافتًا إلى أن القوائم التي ضمت عشرات الشخصيات السياسية لم تعكس، بحسب رأيه، تمثيلًا متوازنًا لمختلف القوى الوطنية، وهو ما أثار اعتراضات واسعة. وشدد على أن تشكيل اللجان التحضيرية لأي حوار وطني يجب أن يتم بإرادة سودانية مستقلة بعيدًا عن أي تدخلات خارجية.
ورأى سيسي أن تعدد المسارات والمبادرات المطروحة لحل الأزمة، سواء من خلال الآلية الخماسية أو الاتحاد الأفريقي أو الهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد”، أسهم في زيادة حالة الاستقطاب السياسي بدلًا من تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، مؤكدًا أن نجاح أي عملية سياسية يتطلب وجود مرجعية موحدة ومتفق عليها.
ورغم هذه التحفظات، أكد الحراك الوطني استمراره في المشاركة في الاجتماعات والفعاليات الإقليمية والدولية الخاصة بالسودان، بهدف طرح رؤيته السياسية والدفاع عن موقفه من القضايا المطروحة، وعدم ترك المجال لقوى أخرى لتحديد مستقبل العملية السياسية دون مشاركة جميع الأطراف السودانية.
من جانبه، كشف عضو اللجنة العليا للحراك الوطني الملك يعقوب محمد الملك عن تفاصيل الخلافات التي شهدتها ورشة العمل التي استضافتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لمناقشة تشكيل اللجنة التحضيرية للحوار السوداني، موضحًا أن الجلسات شهدت تباينات منذ بدايتها حول طبيعة القضايا المطروحة وأولويات النقاش.
وأوضح أن بعض القوى السياسية سعت إلى توسيع جدول الأعمال ليشمل ملفات الحكم وترتيبات المرحلة السياسية المقبلة، بينما أصرت أطراف أخرى على حصر النقاش في الجوانب الإجرائية المتعلقة بتشكيل اللجنة التحضيرية وآليات عملها، الأمر الذي أدى إلى بروز خلافات انعكست على سير الاجتماعات.
وأضاف أن التوتر تصاعد بعد تداول مسودات سياسية تضمنت توصيفات مرتبطة بالحرب الجارية في السودان وتحديد المسؤوليات بشأنها، إلى جانب مقترحات تتعلق بإقصاء بعض القوى السياسية من المشاركة في أي ترتيبات مستقبلية، وهي بنود قال إن الحراك الوطني رفضها بشكل كامل.
وأكد الملك أن الحراك تمسك بضرورة النص الصريح على وحدة السودان أرضًا وشعبًا في أي وثيقة سياسية يتم التوافق عليها، كما رفض أي مقاربات تتعامل مع الانقسام القائم باعتباره واقعًا دائمًا أو تساوي بين مؤسسات الدولة والقوى المسلحة الأخرى، معتبرًا أن دور اللجنة التحضيرية يجب أن يقتصر على الإعداد للحوار الوطني دون الخوض في الملفات الخلافية الكبرى.
وتعكس المواقف المتباينة التي ظهرت خلال اجتماعات أديس أبابا استمرار الانقسام بين القوى السياسية السودانية بشأن طبيعة المرحلة المقبلة وآليات إدارة الحوار الوطني، خاصة بعد اعتراض بعض الفصائل على الوثيقة النهائية واعتبارها غير كافية لمعالجة القضايا الجوهرية المرتبطة بالأزمة.
ويرى مراقبون أن تعدد المبادرات الإقليمية والدولية الخاصة بالسودان، بالتزامن مع استمرار الخلافات بين القوى السياسية، أدى إلى تعقيد المشهد السياسي وإضعاف فرص التوصل إلى إطار موحد للحل، في وقت تتواصل فيه الحرب وتزداد التحديات الإنسانية والأمنية التي تواجه البلاد.
وتأتي هذه التطورات وسط مساعٍ إقليمية ودولية متواصلة لوقف النزاع وتهيئة الظروف المناسبة لإطلاق عملية سياسية شاملة، غير أن استمرار الخلافات بشأن شكل الحوار وآلياته والأطراف المشاركة فيه يظل أحد أبرز العقبات أمام أي تسوية سياسية مستدامة في السودان.







