الأمة// يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة ملموسة في مجال الطب الصيني التقليدي، حيث يتحول تدريجياً من مجرد تقنية حديثة إلى شريك أساسي يساهم في رقمنة هذا التراث الطبي العريق ونقله بين الأجيال، فاتحاً آفاقاً جديدة تجمع بين أصالة الماضي وتقنيات المستقبل.
مساعد رقمي ذكي يدعم الطلاب
بات بإمكان طلاب الطب الصيني التقليدي اليوم الحصول على تفسيرات فورية ومعمقة للتركيبات العشبية المعقدة ومبادئها العلاجية بمجرد طرح سؤال عبر هواتفهم الذكية. ويعود الفضل في ذلك إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة التي طورتها مؤسسات أكاديمية بارزة مثل جامعة بكين للطب الصيني، والتي تدمج نصوصاً كلاسيكية ونظريات ومواد تعليمية واسعة، إلى جانب ابتكار روبوتات قادرة على محاكاة تقنيات التدليك التقليدية، مما يوفر للطلاب مساعداً تعليمياً رقمياً خارج الفصول الدراسية.
مأسسة الخبرات وحفظ التراث الطبي
على مدار قرون، اعتمد نقل المعرفة في هذا المجال على التتلمذ المباشر والممارسة العملية، وهو ما شكل تحدياً مستمراً للحفاظ على هذا الإرث. والآن، يسهم الذكاء الاصطناعي في تنظيم النصوص القديمة وتحليل التجارب السريرية للأطباء المخضرمين. وبحسب خبراء، فإن التقنية تساعد على توثيق الوصفات والأساليب التشخيصية للممارسين الشعبيين وتحويل المعرفة الذاتية والمجزأة إلى بيانات موحدة وقابلة للمشاركة، مما يختصر سنوات الخبرة أمام الأطباء الشباب ويحمي الثروة الطبية المحلية من الاندثار.
نمو متسارع وإقبال مجتمعي واسع
يشهد قطاع التعليم العالي للطب الصيني التقليدي في الصين، والذي انطلق بنظامه الحديث عام 1956، نمواً كبيراً؛ حيث تضم البلاد حالياً 27 جامعة مستقلة وحوالي 670 مؤسسة تعليمية تقدم برامج متخصصة، يستفيد منها أكثر من 800 ألف طالب. وتتكامل هذه المنظومة التعليمية مع قطاع رعاية صحية قوي يضم نحو 1.236 مليون عامل، واستقطب خُمس إجمالي الزيارات الطبية على مستوى البلاد.
العيادات الذكية ورقمنة التشخيص التقليدي
تتجه الصين نحو رقمنة طرق التشخيص الأربعة التقليدية المعتمدة على الملاحظة، والاستماع والشم، والاستفسار، وفحص النبض. وتتجلى هذه الجهود في نماذج مثل “العيادة الذكية” بمستشفى الطب الصيني التقليدي في مدينة تشوهاي، حيث تُجمع بيانات المريض تلقائياً لمساعدة الأطباء في اتخاذ القرارات. ويساهم هذا التشخيص المدعوم رقمياً في جعل التقييمات أكثر موضوعية وقابلة للقياس، مما يقلل من الأحكام الذاتية ويرفع جودة الخدمات الطبية، خاصة على المستوى الشعبي.
استراتيجية وطنية وحدود التكنولوجيا
تأكيداً على أهمية هذا التحول، وضعت الصين الذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجيتها الوطنية لتطوير الطب الصيني التقليدي، حيث تدعو خطتها الممتدة بين عامي 2026 و2030 إلى التوسع في استخدام التقنيات الرقمية وتطوير قواعد بيانات عالية الجودة. ورغم هذا الاندماج العميق، يؤكد الأكاديميون والطلاب أن الذكاء الاصطناعي يظل أداة لتسهيل التعلم ونقل المعرفة الضمنية، لكنه لا يمكن أن يحل محل المنطق الأساسي للطب الصيني؛ فالقرارات العلاجية النهائية يجب أن تستند دائماً إلى النظريات والمبادئ الإنسانية الطبية المتوارثة، مما يفتح الباب لاستكشاف الحكمة القديمة بمنظور علمي متجدد.


