لم تعد الحرب السودانية محصورة في جبهات القتال والمواقع العسكرية، بل دخلت مرحلة أكثر خطورة مع اتساع نطاق الهجمات بالطائرات المسيّرة على منشآت الكهرباء ومحطات التحويل والتوزيع، في تطور يهدد بتوسيع دائرة الخسائر الاقتصادية والإنسانية، ويضع مقومات الحياة اليومية لملايين السودانيين في دائرة الخطر.
وشهد يوم الاثنين 2 نوفمبر 2026 هجمات متزامنة استهدفت ثلاث محطات كهرباء في ولايتي كسلا والشمالية، شملت محطات نيو حلفا وأروما والغزالي بالقرب من مدينة مروي، وأسفرت عن حرائق وأضرار وانقطاعات واسعة في إمدادات الكهرباء.
ولا تقتصر خطورة هذه الهجمات على الأضرار المباشرة التي تلحق بمنشآت الطاقة، وإنما تمتد إلى القطاعات التي تعتمد عليها بصورة أساسية، وفي مقدمتها المستشفيات ومحطات مياه الشرب والمخابز والمنشآت الزراعية، بما يجعل انقطاع الكهرباء عاملاً إضافياً في تعميق الأزمة الإنسانية وانكماش النشاط الاقتصادي.
16 محطة تحت الهجوم
تكشف التطورات الأخيرة عن اتساع غير مسبوق في نطاق استهداف البنية التحتية الكهربائية بالسودان.
وبحسب وكالة الأناضول في 2 نوفمبر، ارتفع عدد محطات الكهرباء التي تعرضت لهجمات بالطائرات المسيّرة خلال أسبوع واحد إلى 16 محطة على الأقل.

وفي المقابل، أفادت صحيفة «سودان تريبيون» بتعرض أكثر من 17 محطة توزيع لأضرار جسيمة خلال موجة الهجمات الأخيرة، وهو اختلاف قد يرتبط بتوقيت عمليات الحصر وطبيعة المنشآت التي شملها التقييم.
وتشير هذه الأرقام إلى تصاعد الضغوط على شبكة الكهرباء السودانية، في وقت تعاني فيه البلاد بالفعل من تراجع كبير في قدراتها الإنتاجية والتشغيلية نتيجة الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية.
75% تراجع في القدرة الإنتاجية
تأتي الهجمات الجديدة في توقيت بالغ الحساسية لقطاع الكهرباء السوداني، الذي تعرض لتراجع حاد في قدراته منذ اندلاع الحرب.
فوفق البيانات الواردة بشأن القطاع، انخفضت القدرة الإنتاجية للكهرباء من نحو 4400 ميغاواط قبل الحرب إلى قرابة 1100 ميغاواط، بما يمثل تراجعاً يقترب من 75%.
وتزداد خطورة هذا التراجع مع الاعتماد الكبير على سد مروي باعتباره أحد المصادر الرئيسية للكهرباء في الشبكة الوطنية.
ولا تتوقف المشكلة عند محطات التوليد، إذ تمثل محطات التحويل والتوزيع حلقة أساسية في نقل الطاقة من مصادر الإنتاج إلى المدن والمناطق السكنية والمنشآت الاقتصادية.
وبالتالي، فإن تضرر هذه المحطات قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في الشبكة، حتى مع استمرار عمل بعض مصادر التوليد.
كما أن إعادة تأهيل المنشآت المتضررة لن تكون مهمة سهلة، في ظل صعوبة توفير المعدات وقطع الغيار، وتراجع القدرات المالية واللوجستية، واستمرار الاضطرابات الأمنية.
المستشفيات والمياه في دائرة الخطر
تتجاوز تداعيات استهداف الكهرباء حدود الخسائر الفنية لتصل مباشرة إلى حياة المواطنين.
فالمستشفيات تحتاج إلى إمدادات مستقرة من الطاقة لتشغيل أجهزة العناية المركزة وغسيل الكلى، وحفظ الدم والأدوية واللقاحات، بينما قد تؤدي الانقطاعات الطويلة إلى تعريض حياة المرضى لمخاطر جسيمة، خاصة في المنشآت التي تعاني نقص الوقود ومولدات الطوارئ.
كما تواجه محطات مياه الشرب تحديات متزايدة مع تعطل المضخات وأنظمة التشغيل، وهو ما يهدد وصول المياه إلى التجمعات السكانية ويزيد مخاطر الأوبئة والأمراض.
ولا يقل قطاع الغذاء تأثراً، إذ تعتمد المخابز ومخازن السلع الغذائية وسلاسل التبريد على الكهرباء لضمان استمرار التشغيل والحفاظ على المنتجات.
الزراعة تدفع فاتورة إضافية
يمثل قطاع الزراعة أحد أكثر القطاعات عرضة لتداعيات أزمة الكهرباء، خاصة في المناطق التي تعتمد على الطاقة والوقود لتشغيل مضخات الري والمنشآت المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
ويعني استمرار الانقطاعات تعطل دورات الري وارتفاع تكاليف التشغيل، بما قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج وزيادة الضغوط على الإمدادات الغذائية.
وتكتسب هذه التداعيات أهمية مضاعفة في ظل الأزمة الغذائية التي يعانيها السودان بالفعل، واتساع رقعة النزوح وتراجع النشاط الاقتصادي.
ومن ثم، فإن استهداف منشآت الطاقة لا يهدد قطاع الكهرباء وحده، بل يمتد تأثيره إلى منظومة الإنتاج والتوزيع الغذائي، ويرفع تكلفة المعيشة ويعمق معدلات الفقر.
اتهامات لإثيوبيا والإمارات
على الصعيد السياسي والإقليمي، دخلت الأزمة مرحلة أكثر تعقيداً بعد تقديم الحكومة السودانية، في 1 نوفمبر، شكاوى إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، اتهمت فيها إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها في تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة على منشآت مدنية سودانية.
وقالت وزارة الخارجية السودانية إنها قدمت وثائق ومعلومات فنية تتعلق بانطلاق طائرات مسيّرة من الأراضي الإثيوبية.
كما وجهت السلطات السودانية اتهامات إلى الإمارات بتوفير طائرات مسيّرة ومساعدات عسكرية لقوات الدعم السريع.
وفي المقابل، تنفي الإمارات تقديم أسلحة لقوات الدعم السريع، كما تنفي إثيوبيا الاتهامات المتعلقة باستخدام أراضيها لدعم الهجمات.

وتتهم الحكومة السودانية قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن تنفيذ الهجمات الأخيرة، بينما لا تتوافر ردود مستقلة ومفصلة بشأن كل واقعة من الوقائع المستهدفة.
وتظل هذه الاتهامات محل خلاف سياسي ودبلوماسي، ولا يمكن اعتبارها حقائق مثبتة بصورة مستقلة دون تحقيقات وأدلة قابلة للتحقق.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع البعد الإقليمي للحرب السودانية، بما يرفع مخاطر انتقال تداعيات الصراع إلى علاقات السودان مع دول الجوار، ويزيد تعقيدات الوصول إلى تسوية سياسية وأمنية.
هل أصبحت الكهرباء هدفاً عسكرياً؟
يثير اتساع الهجمات على منشآت الطاقة تساؤلات قانونية وإنسانية حول حدود الاستهداف العسكري للبنية التحتية المدنية.
فالقانون الدولي الإنساني يحظر استهداف الأعيان المدنية، ولا يسمح بمهاجمة منشأة مدنية إلا إذا توافرت فيها شروط اعتبارها هدفاً عسكرياً، مع الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.
ولا يعني ارتباط منشأة كهربائية بمناطق خاضعة لسيطرة أحد أطراف النزاع أنها تتحول تلقائياً إلى هدف عسكري مشروع.
كما أن استخدام الطائرات المسيّرة لا يعفي الجهة المنفذة من المسؤولية عن اختيار الهدف، وتقدير الأضرار المدنية المتوقعة، واتخاذ التدابير اللازمة لتقليل الخسائر.
ومن هنا، تبرز أهمية إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في الهجمات التي استهدفت محطات الكهرباء، وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة والمعايير القانونية الدولية.
فاتورة إعادة الإعمار تتضاعف
من الناحية الاقتصادية، لا تتوقف خسائر تدمير محطات الكهرباء عند تكلفة إصلاح المعدات والمنشآت، وإنما تمتد إلى خسائر الإنتاج وتعطل الخدمات وتراجع النشاط التجاري والاستثماري.
فانقطاع الطاقة يؤدي إلى ارتفاع تكلفة تشغيل المصانع والمنشآت التجارية التي تضطر للاعتماد على مولدات بديلة، كما يعطل سلاسل التوريد والتخزين والتبريد، ويزيد تكلفة إنتاج السلع والخدمات.
وتؤدي الأضرار التي تلحق بشبكات الكهرباء إلى زيادة الاحتياجات التمويلية لإعادة الإعمار، في وقت تتراجع فيه موارد الدولة وتتزايد الضغوط على المالية العامة.
وتكمن الخطورة في أن كل منشأة يتم تدميرها اليوم ستتحول إلى عبء إضافي على جهود إعادة بناء الاقتصاد السوداني مستقبلاً، سواء من حيث تكلفة استيراد المعدات أو إعادة تأهيل الشبكات أو توفير التمويل اللازم لاستعادة الخدمات.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الأزمة
تفتح التطورات الأخيرة الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية تستحق المتابعة:
أولاً: اتساع استهداف البنية التحتية. استمرار الهجمات على محطات الكهرباء والتحويل قد يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات في الشبكة الوطنية، ويهدد بانقطاع الخدمات الأساسية عن مناطق إضافية.
ثانياً: تصاعد التوتر الإقليمي. قد تؤدي الاتهامات السودانية المتعلقة باستخدام الأراضي الإثيوبية في الهجمات إلى زيادة التوتر الدبلوماسي والأمني بين البلدين، خاصة إذا ظهرت أدلة مستقلة قابلة للتحقق.
ثالثاً: تصاعد الضغوط الدولية. من المتوقع أن تتزايد المطالبات الدولية بالتحقيق في استهداف المنشآت المدنية، ومراجعة أي دعم خارجي يثبت ارتباطه بالعمليات العسكرية التي تعرض حياة المدنيين للخطر.
السودان أمام معركة البقاء
لم تعد خطورة الحرب السودانية تقاس فقط بمساحات السيطرة العسكرية أو حجم الخسائر في ساحات القتال، وإنما بمدى قدرتها على تدمير مقومات الحياة والاقتصاد.
فالكهرباء ليست مجرد خدمة أساسية، بل هي عنصر محوري لاستمرار المستشفيات والمياه والزراعة والصناعة والتجارة، وأي استهداف واسع لشبكتها يعني نقل تكلفة الحرب مباشرة إلى حياة المواطنين ومستقبل الاقتصاد.
والأخطر أن تدمير البنية التحتية قد يحول مرحلة ما بعد الحرب إلى معركة اقتصادية أكثر صعوبة، تتطلب سنوات من التمويل وإعادة التأهيل واستعادة الثقة والاستثمار.
فالسودان لا يواجه فقط حرباً على السلطة والنفوذ، بل يواجه خطراً متصاعداً يتمثل في تآكل مقومات الدولة الاقتصادية والخدمية. وإذا تحولت محطات الكهرباء والمياه إلى أهداف متكررة، فإن الخاسر الأكبر لن يكون طرفاً سياسياً أو عسكرياً بعينه، بل مجتمعاً كاملاً سيدفع تكلفة الحرب اليوم وفاتورة إعادة الإعمار لسنوات طويلة.






