هل تنقذ دولنا ما تبقى من الأوطان؟
لم تعد المنطقة العربية والشرق أوسطية أمام خلافات سياسية عابرة أو أزمات يمكن احتواؤها بالبيانات الدبلوماسية، بل أصبحت تواجه مرحلة شديدة الخطورة، تتداخل فيها التدخلات الخارجية مع الصراعات الإقليمية، وتتحول فيها أراضي دول المنطقة إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية. والأخطر أن شعوب هذه المنطقة باتت مهددة في أمنها وحياتها ومقدراتها، دون أن تكون طرفاً حقيقياً في صناعة القرارات التي تدفع بها إلى أتون المواجهات.
إن تصاعد التدخل الأمريكي الإسرائيلي في شؤون المنطقة يفرض علينا إعادة النظر في منظومة الأمن الإقليمي، خصوصاً في ظل الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية في عدد من الدول العربية والخليجية. فقد تحولت هذه القواعد، التي كان يُفترض أن توفر الحماية والاستقرار، إلى جزء من معادلة الصراع، وأصبحت مواقعها ومحيطها عرضة للاستهداف كلما اندلعت مواجهة بين واشنطن وطهران.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل أصبحت دول المنطقة أكثر أمناً بوجود القواعد الأجنبية، أم أن استمرار الاعتماد على الحماية الخارجية جعل أمنها مرتبطاً بحسابات القوى الكبرى ومصالحها؟
لا يمكن تجاهل أن الولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من المنشآت العسكرية والتسهيلات الدفاعية في الخليج والمنطقة، وأن هذه المنشآت تؤدي أدواراً متعددة، بعضها يتعلق بالدفاع عن الدول المضيفة، وبعضها يرتبط بالعمليات العسكرية الأمريكية الأوسع. لكن التجارب الأخيرة كشفت أن استضافة هذه المنشآت لا تعني بالضرورة تحييد الدول المضيفة عن تداعيات الصراعات، بل قد تضعها في دائرة المخاطر.
لماذا لا نُقَلِّم النزاعات؟
السؤال الذي يجب أن تطرحه العواصم العربية والإسلامية اليوم ليس كيف تنتصر دولة على أخرى، وإنما كيف يمكن للجميع تجنب الخسارة؟
لماذا لا تتفق دول المنطقة على مبدأ واضح يقوم على أقلمة النزاعات، أي إبقاء الخلافات داخل إطار إقليمي، بعيداً عن التدخلات العسكرية والسياسية للقوى الأجنبية؟ ولماذا لا تكون هناك آلية دائمة للحوار والتفاوض تمنع تحول الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية؟
إن الخلاف بين دول المنطقة، مهما بلغت حدته، يجب ألا يتحول إلى صراع مفتوح تستفيد منه أطراف خارجية، بينما يدفع المواطن العربي والمسلم الثمن من أمنه واقتصاده واستقرار وطنه.
وليس المقصود بأقلمة النزاعات تجاهل التهديدات أو التنازل عن الحقوق، وإنما بناء منظومة إقليمية قادرة على معالجة الخلافات، واحترام سيادة الدول، ومنع استخدام أراضيها منطلقاً للاعتداء على الآخرين.
شرق أوسط جديد بإرادة أبنائه
أرى أن دول الخليج تتحمل مسؤولية تاريخية في إطلاق مبادرة سياسية وأمنية جديدة، تقوم على تحييد المنطقة عن المواجهات الأمريكية الإسرائيلية، وإعادة صياغة علاقاتها مع القوى الدولية على أساس المصالح المتبادلة، لا التبعية أو الارتهان الأمني.
ولا يعني تحييد الولايات المتحدة قطع العلاقات معها أو الدخول في مواجهة سياسية، وإنما الوصول إلى معادلة تجعل قرار الحرب والسلم قراراً إقليمياً مستقلاً، لا يتأثر برغبات أي قوة خارجية.
نحتاج إلى شرق أوسط جديد، ولكن ليس ذلك الذي يُرسم في العواصم الغربية أو وفق الرؤية الإسرائيلية، وإنما شرق أوسط تصنعه دول المنطقة، وتكون شعوبه المستفيد الأول من أمنه وثرواته واستقراره.
وهذا يتطلب تأسيس منظومة دفاع مشترك، على غرار المبادرات والتحالفات الإقليمية، ومنها اتفاق مكة، مع تطوير إطار أوسع يضم الدول الراغبة في التعاون، ويستهدف مواجهة التهديدات الخارجية، وحماية الحدود والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، وتبادل المعلومات، وتنسيق القدرات الدفاعية.
كما ينبغي أن تقوم هذه المنظومة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وألا تتحول إلى تحالف ضد دولة إقليمية بعينها، بل إلى مظلة لحماية الجميع ومنع الاعتداءات.
المسلمون لا ينتصرون بتناحرهم
في رأيي، إن استمرار التناحر بين دول المنطقة يعني أن الجميع خاسر، حتى لو لم تسقط رصاصة واحدة أو يسقط شهيد في ساحة المعركة. فهناك خسائر أخرى لا تقل خطورة؛ اقتصادات تتراجع، واستثمارات تهرب، ومجتمعات تعيش القلق، وأجيال تفقد الثقة في المستقبل.
والكارثة الأكبر أن تتحول خلافاتنا إلى حروب بين شعوب يجمعها الدين والتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة. كيف يمكن أن نحارب بعضنا بعضاً، بينما التهديدات الخارجية تتزايد، والقضية الفلسطينية لا تزال تبحث عن العدالة، وأوطاننا تواجه تحديات اقتصادية وأمنية غير مسبوقة؟
إننا لا نحتاج إلى مزيد من القواعد الأجنبية بقدر حاجتنا إلى بناء الثقة بين دولنا، ولا نحتاج إلى سباق تسلح بين الأشقاء بقدر حاجتنا إلى منظومة تحمي الجميع.
لقد آن الأوان لأن تدرك العواصم الإقليمية أن المظلات الأجنبية لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن الإرادة الوطنية والتعاون المشترك.
المتغطي بالغرب عريان.
هذه ليست مجرد مقولة شعبية، بل خلاصة درس سياسي ينبغي أن تستوعبه المنطقة: لا أحد سيحمي أوطاننا بقدر ما نستطيع نحن حمايتها، ولا يمكن أن يكون مستقبل شعوبنا رهينة حسابات الآخرين.
فلنختلف سياسياً، ونتنافس اقتصادياً، ونتحاور دبلوماسياً، لكن لا نحارب بعضنا بعضاً. فالأوطان التي نخسرها في صراعات الأشقاء قد لا نجد فرصة لاستعادتها، والتاريخ لن يرحم من امتلكوا فرصة إنقاذ المنطقة وتركوا أبوابها مفتوحة أمام التدخلات الخارجية.







