في كل عام، يحل يوم 27 أكتوبر محمّلًا بذاكرة ثقيلة من الألم والوجع في إقليم جامو وكشمير، حيث تتجدد الأسئلة حول العدالة والحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وبالنسبة إليّ، فإن هذا التاريخ ليس مجرد ذكرى سياسية عابرة، ولا فصلًا واحدًا من فصول المعاناة، بل هو فصول متتالية من الألم، بدأت قبل نحو ثمانية عقود، وما زالت آثارها حاضرة في حياة أجيال من الكشميريين.
كلما عدت بذاكرتي إلى هذا اليوم، شعرت بأن التاريخ لا يروي حكاية صراع على الأرض فحسب، وإنما يكشف أيضًا عن مأساة شعب ظل ينتظر أن يجد طريقه إلى العدالة، بينما تتراكم فوق ذاكرته سنوات من النزاع والدماء والاعتقالات والتهجير.
27 أكتوبر 1947.. البداية التي لم تنتهِ
بدأ الفصل الأكثر خطورة من هذه المأساة في 27 أكتوبر 1947، عندما هبطت قوات الجيش الهندي في مطار سريناجار، عاصمة جامو وكشمير، بعد توقيع وثيقة الانضمام المنسوبة إلى حاكم الولاية المهراجا هاري سينج، في ظل ترتيبات سياسية وعسكرية ارتبطت بالحاكم العام للهند آنذاك، اللورد لويس ماونتباتن.
جاء ذلك في سياق أزمة تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947، التي تركت مصير جامو وكشمير موضع نزاع بين الهند وباكستان، ثم تحولت إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، في ظل تعقيدات تتعلق بشرعية الانضمام وإرادة السكان ومستقبل الإقليم.
وهنا أتوقف أمام سؤال أراه جوهريًا:
لماذا أصبح يوم 27 أكتوبر تحديدًا علامة فارقة في الذاكرة الكشميرية؟ وماذا يعني أن هذا التاريخ، وفقًا للتحويل الهجري، وافق يوم الاثنين 13 ذي الحجة 1366، رابع أيام عيد الأضحى المبارك؟
لا أستطيع أن أجزم بأن اختيار هذا اليوم كان مقصودًا لاستغلال انشغال المسلمين بالعيد، من دون دليل تاريخي موثق يثبت هذه النية. لكنني أجد في تزامن الحدث مع أيام عيد الأضحى صورة مؤلمة تستحق التأمل؛ ففي الوقت الذي كانت فيه عائلات مسلمة تعيش أجواء العيد، كانت كشمير تدخل مرحلة جديدة من الاضطراب والصراع، لتصبح المناسبة الدينية المرتبطة بالتضحية والفداء جزءًا من ذاكرة تاريخية مثقلة بالوجع.
وأقولها بوضوح: إن قيمة أي رواية تاريخية لا تكمن في قوة عباراتها وحدها، وإنما في قدرتها على الاستناد إلى الوقائع، ومواجهة الأسئلة الصعبة، وعدم السماح بطمس حقوق الضحايا أو اختزال معاناتهم.
من حرب 1947 إلى عقود المقاومة
لم تتوقف المأساة عند المواجهة الأولى بين الهند وباكستان، بل تحول الإقليم إلى واحدة من أكثر بؤر النزاع تعقيدًا في جنوب آسيا. وتعاقبت الحروب والتوترات والمواجهات، بينما ظلت قضية تقرير المصير في قلب الخلاف السياسي بين الأطراف المعنية.
وبالنسبة إليّ، فإن جوهر القضية لا ينبغي أن يضيع وسط الحسابات العسكرية والاستراتيجية. فخلف الخرائط والحدود والاتفاقيات توجد حياة بشرية، وعائلات تريد الأمان، وأطفال يتطلعون إلى مستقبل لا تحكمه أصوات الرصاص.
وفي أواخر الثمانينيات، دخلت كشمير مرحلة جديدة من الاضطرابات، مع تصاعد الاحتجاجات والمقاومة المسلحة منذ عام 1989، في سياق اتسم بأزمة سياسية حادة وتراجع الثقة في المسار الانتخابي.
وأرى أن هذه المرحلة تمثل نقطة تحول أساسية؛ إذ اتسعت دائرة العنف، وتزايدت المواجهات بين القوات الهندية والجماعات المسلحة، وتعرض المدنيون لمخاطر جسيمة. ولا يمكن فهم ما جرى بمعزل عن السياق السياسي والتاريخي الذي سبق تلك الأحداث، أو عن التداعيات التي تركتها على المجتمع الكشميري.
وفي الوقت نفسه، أرفض أن تصبح معاناة المدنيين مبررًا لاستهداف مدنيين آخرين، أيًا كانت هويتهم أو الجهة التي ترتكب الانتهاكات. فالعدالة التي نطالب بها لكشمير لا تكتمل إلا باحترام حياة الإنسان وكرامته وحقوقه.
كشمير وفلسطين.. تشابه الذاكرة واختلاف التفاصيل
عندما أتأمل تاريخ كشمير، أجد نفسي أستحضر فلسطين، لا لأن القضيتين متطابقتان في الظروف والتفاصيل القانونية والسياسية، وإنما لأن كليهما يثير أسئلة مؤلمة عن الاحتلال والهوية والحقوق الوطنية ومصير السكان.
لقد شهدت فلسطين اندلاع الانتفاضة الأولى في ديسمبر 1987، بينما تصاعدت المقاومة المسلحة في كشمير خلال أواخر الثمانينيات، ولا سيما منذ عام 1989. وفي الحالتين، ظلت معاناة المدنيين محورًا أساسيًا في النقاشات السياسية والحقوقية.
وأقول هنا إن التضامن بين الشعوب لا ينبغي أن يكون مجرد شعارات موسمية أو بيانات عاطفية، بل يجب أن يتحول إلى موقف أخلاقي واضح يدافع عن حقوق الإنسان، ويرفض العقاب الجماعي، ويطالب بالتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
لكنني أرى أيضًا أن الدفاع عن كشمير يحتاج إلى معرفة دقيقة بتاريخها وتنوع مجتمعها وتعقيدات النزاع حولها، بدلًا من الاكتفاء بالمقارنات العامة التي قد تخدم الخطاب السياسي أكثر مما تساعد على إيجاد الحلول.
أرقام موجعة وأسئلة لا يجوز تجاهلها
تتداول جهات كشميرية وباكستانية أرقامًا كبيرة عن الضحايا والانتهاكات منذ عام 1989. ووفقًا للإحصاءات الواردة في المادة التي أستند إليها، بلغ عدد القتلى 96 ألفًا و507 أشخاص، بينهم 7 آلاف و426 حالة وفاة خلال الاحتجاز أو في مواجهات تصفها الجهات الناشرة بأنها وهمية.
كما تشير هذه الإحصاءات إلى اعتقال 184 ألفًا و756 شخصًا، وتدمير 110 آلاف و614 منزلًا ومحلًا تجاريًا، فضلًا عن وجود 22 ألفًا و992 أرملة و108 آلاف و11 طفلًا يتيمًا، إلى جانب 11 ألفًا و285 حالة اغتصاب أو تحرش بالنساء.
وأتعامل مع هذه الأرقام باعتبارها بيانات منسوبة إلى الجهات التي نشرتها، وليست حصيلة مستقلة جرى التحقق منها في هذه المقالة. فالتوثيق الدقيق يتطلب معرفة مصادرها ومنهجية جمعها والفترة التي تغطيها، ومقارنتها بما يتوافر لدى المؤسسات الحقوقية المستقلة.
غير أن التحفظ على الأرقام غير المتحقق منها لا يعني تجاهل معاناة الضحايا أو التقليل من خطورة الاتهامات. بل إنني أرى أن توثيق كل حالة، وحماية الشهود، وإتاحة الوصول إلى المعلومات، تمثل خطوات ضرورية حتى لا تضيع الحقوق وسط تضارب الروايات.
وأتساءل: كم من الأسر ما زالت تنتظر معرفة مصير أبنائها؟ وكم من الأطفال كبروا وهم يحملون آثار فقدان آبائهم؟ وكم من النساء اضطررن إلى مواجهة الحياة وحدهن بعد أن دفعن ثمن نزاع لم يخترنه؟
هذه أسئلة إنسانية قبل أن تكون سياسية، ولا ينبغي أن تتوقف المطالبة بإجابات عنها عند حدود المناسبات السنوية.
ماذا ينتظر الكشميريون من العالم؟
أرى أن استمرار النزاع يفرض مسؤولية على المجتمع الدولي، تبدأ من دعم التحقيقات المستقلة في مزاعم الانتهاكات، وحماية المدنيين، وضمان الحقوق الأساسية، وتهيئة الظروف اللازمة لحوار سياسي جاد يعالج جذور الأزمة.
كما أنني أعتقد أن أي تسوية مستدامة لن تتحقق بتجاهل إرادة سكان الإقليم أو التعامل مع القضية باعتبارها مجرد خلاف حدودي بين دولتين نوويتين. فالأمن الإقليمي مهم، لكن الأمن الحقيقي لا يقوم على القوة وحدها، بل يحتاج إلى الثقة والعدالة والضمانات السياسية التي تمنع تجدد العنف.
وأنتظر من المنظمات الحقوقية أن تواصل عملها بعيدًا عن الانتقائية، ومن وسائل الإعلام أن تمنح كشمير مساحة تتناسب مع حجم قضيتها، ومن القوى الدولية ألا تجعل حقوق الإنسان ورقة ضغط تستخدمها عندما تتفق مع مصالحها وتتجاهلها عندما تتعارض معها.
أما السيناريوهات المقبلة، فأراها مرتبطة بمدى استعداد الأطراف للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها. فإذا استمرت القيود السياسية والمواجهات وانعدام الثقة، فسيظل خطر تجدد التوتر قائمًا. أما إذا فُتح المجال أمام الحوار، وتعزيز الحقوق، والتحقيق الجاد في الانتهاكات، فقد تتوافر فرصة لتخفيف المعاناة وبناء مسار أكثر استقرارًا.
في رأيي.. العدالة ليست ذكرى سنوية
في النهاية، لا أريد أن يكون 27 أكتوبر مجرد تاريخ نستعيد فيه صور الماضي، ثم نغلق صفحات الذاكرة حتى العام التالي. أريده مناسبة لمراجعة المواقف، وتجديد المطالبة بالعدالة، والتذكير بأن الشعوب لا تفقد حقوقها لمجرد أن الزمن طال أو أن العالم انشغل بأزمات أخرى.
إنني أؤمن بأن قضية كشمير تحتاج إلى صوت يستند إلى الحقيقة، لا إلى المبالغة؛ وإلى موقف يدافع عن الضحايا، لا إلى خطاب يكتفي بتأجيج المشاعر؛ وإلى تحرك سياسي وحقوقي يفتح أبواب الحل، بدلًا من إعادة إنتاج المأساة.
قد تختلف الروايات بشأن المسؤوليات والتفاصيل، وقد تتباين المواقف الدولية حول مستقبل الإقليم، لكن ذلك لا يلغي حق المدنيين في الحياة والكرامة والأمان، ولا يسقط ضرورة التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها وفقًا للقانون.
ولهذا أعود إلى عنوان ليلتنا: «27 أكتوبر.. فصل من الألم.. نداء للعدالة»، وأضيف من قناعتي أن هذا اليوم ليس فصلًا واحدًا، بل فصول متتالية من الآلام، لن تُطوى صفحاتها الحقيقية إلا عندما تصبح العدالة أفقًا ممكنًا، ويجد أبناء كشمير طريقًا سياسيًا يحفظ حقوقهم ويضع حدًا لمعاناتهم.
فالذاكرة وحدها لا تصنع العدالة، والغضب وحده لا يحقق السلام، لكن الحقيقة الموثقة والإرادة السياسية والتمسك بحقوق الإنسان يمكن أن تفتح الطريق أمام مستقبل مختلف.
وذلك هو النداء الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في 27 أكتوبر، وفي كل يوم بعده.







