〈♦ أخطر ما يواجه الأدب أن يكتب باعتباره نشرة صحفية ♦ المكان في الفن ليس جغرافيا؛ الإنسان هو المكان ♦ المثقف لا يسعى لتفكيك العالم بل لإعادة القيمة للإنسان〉
حينما تراه للوهلة الأولى تحس بأنك جالس مع أمير من الطبقة الأرستقراطية أو برنس من أسرة محمد على .. هادئ .. بشوش .. يتحرك بحساب وينطق حروفه بميزان .. تقابلك بشاشته للمرة الأولى و كأنكما أصدقاء من زمن . وبعد دقائق من الحوار معه يتعامل معك وكأنك قطعة فنية يجب الحفاظ عليها .. يترك لك دائما الاختيارات .. لكنه دائما مشغول بك كأنك صاحبه الذى لم يره منذ وقت طويل. هذا على المستوى الإنساني . أما على مستوى كتابته فهي رائقة ورشيقة .. تتراص بجانب بعضها البعض كأنها بناية من الخرسانة شاهقة الارتفاع، ومتينة . لا تخشى عليها من الزمن . يكتب وكأنه الجراح الوحيد في العالم الذى يعرف مكان الألم فيذهب اليه دون اختبارات مسبقة . إنه الكاتب الصحفي والروائي المصري تامر صلاح
♦ سألناه؛ أنت صحفي وأديب، كيف أفادتك الصحافة في الكتابة الإبداعية والعكس؟
♦♦ بين الأدب والصحافة عامل مشترك، هو الكلمة، أما الصحافة فهي رصد للواقع في الأساس، سواء في الخبر، التحقيق، التقرير، وهى تتطلب كتابة دقيقة وأمينة لا تتحمل الرأي غالبا، بخلاف المقال الذى يجب أن يحمل وقائع صادقة مع وجهة نظر الكاتب، وبالتالي الالتزام بالحيدة وبالضمير المهني لا يسمح بالخيال أو إضافة وقائع أو الانتقاص من أخرى، إذن الصحافة هي “فن صياغة الحقائق”، وعندما “تحقق” أو تكتب خبرا، فأنت تلتزم بسياسة الجريدة وكذلك اهتمامات جمهور حاضر غالبا في ذهنك، ومحدد إلى درجة كبيرة، بالخبرة تعرف ذائقته الخبرية وميوله واتجاهات رأيه، على العكس من الكتابة الأدبية، فالأديب يكتب لنفسه أولا، يفرغ طاقة ومعرفة وخبرة وإحساس، الزمن عنده مفتوح، يستطيع أن يرحل فيه كيف يشاء، وأن يطوع خياله له وأن يطوعه لخياله، يمكنه خلق عالمه المتفرد ويحمل متنه منطقا خاصا به، بل حتى يمكن أن يستخدم جماليات اللغة، وأن يطوع الألفاظ لتعطى معنى مختلفا، وهو ما لا يمكن تحقيقه في العمل الصحفي خصوصا والإعلامي عموما، وبالتالي إذا تأثر الأديب بعمله الصحفي أو لم يتخلص منه أثناء الكتابة الإبداعية فغالبا ستحمل القصة أو الرواية روح التقرير، ويستخدم ألفاظ “التوكيد” وكأنه يتلو نشرة أخبار، وهذا ضد “الفن” بصفته عملا ينبع من الخيال أساسا ويعطى مساحة للمتلقي ليخطو داخله من زوايا وأبواب متعددة,

♦ في روايتك الحزن والبهجة تميل الكتابة إلى النوستالجيا والحنين إلى الماضي، لماذا؟
♦♦ الحزن والبهجة رواية تلغرافية، تخلصت خلالها من “زوائد الكتابة” ودعني أخبرك أن هذه الرواية تحديدا من أكثر الروايات التي نوقشت منذ إصدارها في عام 2023 وحتى اليوم، فقد يناقش العمل مرة هنا وأخرى هناك، لكن هذا “النص” حظى بدراسات أكاديمية ونقدية متعددة، ونوقش في الإسكندرية مرتين أو ثلاثا، نوقش ضمن فعاليات معرض دمنهور للكتاب، ونوقش في اتحاد كتاب مصر، اضافة إلى ما نشر عنه من دراسات، وفى كل مناقشة اكتشف مع القراء والمتخصصين أبعادا أخرى غير الحنين إلى الماضي، فمثلا ستكتشف أن الرواية ليس بها صراع تقليدي بين ابطال محددين، بل ينشأ الزخم من التدافع بين الصور ومحاولة كل صورة أن تسبق الأخرى إلى وجدان المتلقي، وستدهشك المواقف ومدى التسامح التي يحمله الفاعلون داخل النص، حتى مع الغيبيات والأشباح واللامرئيات، هنا يتحول الصدام بين الأجيال إلى خبرة وكشف للذوات وتفاعل مهيب بين الأضداد، الصراع فيها تعاونى وليس عدائي برغم واقعية كل الأحداث وكأنك في حلم، يجعل من الحنين والذكريات المبهجة وسيلة لتحمل الألم والتصالح مع العالم، قرأها البعض باعتبارها واقعية سحرية، وآخرون رأوا فيها – من بين ما رأوا- رواية سيرة ذاتية معاصرة، لكنني أؤكد أنى لو لم أتمكن من كتابة هذه الرواية لانفجرت حزنا أو لحلقت بهجة، باختصار أيا ما كان توصيف هذا “النص” فقد أعاد الاتزان لي وجعلني شخصيا أتصالح مع أحزاني.

♦ هل يفرض المكان صيغة ترتبط بكتاباتك؟
♦♦ حسنا في رواية “إمام المرج” كان المكان هو الوطن بأكمله، وهذا طبيعي، لكن أيضا كان التاريخ والتراث الشعبي خاصة في الريف يمثل مكانا مغايرا من حيث الموقع بمقارنة بالمدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية، وكذلك من حيث الموضع الزمنى، في “الحزن والبهجة” المكان هو الإنسان وهو أيضا الحدث والذكرى والرائحة والخيال، وفى مجموعتي القصصية “ليلة السيدة الخمرية” العاطفة هي المكان، وفى مطوية النثر ” قد تجدين حبيبا” القلب يمثل المكان والزمان، وفى مطوية نثر “البحار” الأسطورة هي المكان، لأن المكان ليس جغرافيا فقط بل كل ما يحتمل وقوع الحدث وتدور فيه القصة.
♦ بصيغة أخرى هل المنجز الأدبي لديك يقر مركزية وسطوة المكان؟
♦♦ لا أعرف على وجه اليقين، لكن في كل الأحوال للمكان سطوة، ومن الصعب أن تجد فنا في اللامكان، لكنى أعتقد أن المكان حتى في الواقع هو شيء “رمزي” بمعنى أن نشأتك في أي مكان تربطك به وتفرض سطوته عليك، لكن تغير البيئة أو تغييرها سيبدل سطوة بسطوة، فإذا خلقنا محلقين مثل الطيور ستكون السماء هي المكان وستكون السطوة لها، بمعنى آخر نحن نقبل سطوة الكون ولا نستطيع أن نحيا بدونها.
♦ “إمام المرج” رواية تاريخية ضخمة فهل ترى في التاريخ إشارة دالة على تكرار بعض الأحداث؟
♦♦ نعم التاريخ يحمل عبرة ونبوءة وتحذير، فما يحدث اليوم فى بقعة ما سيتكرر حرفيا ولكن بوسائل أخرى في زمن ومكان آخرين، علينا فقط أن نقرأ التاريخ كما حدث وليس كما كتب، وقتها سنستخلص العبرة ونرى النبوءة قبل أن تأتى أو قبل أن تتحقق، وفى إمام المرج شيء من ذلك، شيء من النبوءة والتحقق.
♦ هل تراهن على القارئ طويل البال الذى يمكنه إنجاز قراءة رواية من الحجم الكبير مثل “إمام المرج”؟
♦♦ اسمح لي أن أصف “إمام المرج” بالملحمة التي روت تاريخ ومواقف أربعين شخصية حقيقية على مدار مئتي عام من التاريخ المصري والعربي المعاصر، وهنا تأتى قدرة الكاتب على صنع الدهشة عبر المشاهد بلا تكرار ودون أن يملل القارئ، في هذه الرواية تعمدت تكنيك “الكتابة الدائرية” حيث المفاجأة تكمن في العودة لنقطة بداية مختلفة لتدور مرة أخرى في محور شخصية جديدة أو حدث وحيد كاشف ودال، أيضا الرواية مقسمة إلى أبواب وفصول، كأنها مجموعة قصص متصلة، إذا أعجب القارئ بالقصة الأولى ووجد فيها اشباع ما لعاطفته أو تحفيزا لمعرفته فإنه سيكمل القراءة بالرغم من طول الرواية، وأعترف “إمام المرج” رواية قد تقرا في أشهر وربما في سنوات لأنها تعبر عن ماض مستمر يحمل الدهشة من عظمة هذا المجتمع المجاهد والمكافح والذى يتشابه شقاء أبناءه مع شقاء أسلافهم منذ آلاف السنين، لكنها أيضا تفاجئ القارئ بمدى الترابط والتضاد في آن بين الشعوب العربية في الملمات، وكيف يخرج البسطاء منتصرين رغم الحزن والفقد والخسارة.
♦ كتاباتك فيها اتكاء على تفاصيل يومية ومشهديه بصرية رائقة، هل ترى أن هذه الأساليب من جماليات النص الأدبي أم أن كل نص يحمل جمالياته؟
♦♦ للأمانة لا أعرف كيف يحمل النص جماله الخاص، لكنى على يقين من أن كل نص ينشأ لغته وعالمه، وعلى الكاتب فقط أن يسكب مشاعره فوق الحروف أو اللون أو اللحن، في كتاباتي أستطيع أن أتخيل نفسى قارئا، وأن أرى الجمال في العمل، خاصة إذا نسيت تفاصيله ثم أعدت قراءته بعد فترة، وقتها اكتشف جماله فأبقى عليه وقد أنقحه، أو ينفرني زيفه فأتخلص منه، بمعنى مختلف حتى مع النصوص التي ترد إلى كإهداء، أو بالشراء والاقتناء إما يجذبني المدخل وجماليات وصدق اللغة فأكمل القراءة أو أنفر منذ الكلمات الأولى فأهمله إلى حين ثم أبدأ في مطالعته مرة ثانية فإن تأكد “إحساس” القبح أقذفه باتساع ذراعي ولا أبالى، لذلك يمكنني القول أننى استشعر الجماليات في نصوصي وفى نصوص غيرى لكنى لا أصنعها ولا أجعلها هدفي، فقط أراعى في كتاباتي ألا ينفر منها القارئ.
♦ هل فقد الروائي دوره التنويري؟
♦♦ هنا نعود للصحافة، فهي في المقام الأول “فعل كشف” وهى في رأيي أساس التنوير طالما حملت في متنها الصدق والتنبؤ وتحذير الرأي العام، لذلك أثرها أسرع وأكبر تأثيرا، وكلمة صحافة هنا تشمل جميع أدوات الإعلام بما فيها الوسائل الإلكترونية الحديثة، أما الأدب – وهنا الأوقع أن نقول الفن بصفة عامة- فتأثيره محدود في أوانه، لكنه يشبه الموجة الهادئة التي تكشف بعد سنين – طالت أو قصرت- حقائق الماضي وأسباب ودوافع الأحداث، وقد يكون تأثير الفن من القوة التي تدفع المجتمع ووسائل تنويره الأخرى إلى التغيير لكنه يظل بمثابة جندي مجهول أو رجل مخابرات يكشف معلوماته للخاصة ولا يشعر بأهميته الكبرى عموم الجمهور، أيضا لا ننكر أن بعض الأعمال الأدبية والدرامية أدت إلى تغيير القوانين في مصر وإن كنت لا أتذكر منها إلا فيلم “أريد حلا” الذى أدى إلى تعديل في قوانين الأحوال الشخصية، وفيلم جعلوني مجرما الذى سمح للسجناء بزيارة ذويهم خارج السجن في حالات معينة.
♦ هل يمكن للروائي أن يقوم بدوره التنويري في ظل الصراعات التي يشهدها العالم؟
♦♦ الروائي والفنان هم من المثقفين بالضرورة، وبينهم مفكرون، لذلك نعم يمكن للمثقف أن يكون سببا في التنوير أو أداة للتنوير، فقط إذا سمح المناخ العام بذلك، وهنا يجب أن نقف لحظة ونطلب “نقطة نظام” لأن عالمنا العربي يحتاج إلى “مثقف موضوعي” يستخدم معارفه وعلومه وأفكاره للإصلاح عبر المنابر الشرعية التي تسمح بها الدولة، وعندما أقول “مثقف موضوعي” أرجو ألا يلتبس الأمر مع جرامشى الذى قال بوجود “المثقف العضوي” هذا هدفه التغيير السياسي، أما “مثقفي الموضوعي” فهدفه نهضة المجتمع عبر مشروع ثقافي هادئ وبسيط ولا ينادى بتغيير الأنظمة، الموضوع لديه هو المواطن وليس الزعيم، وهناك فارق ضخم وجوهري بين مثقف جرامشى والمثقف الذى أنادى بصنعه.
♦ هل ترى أن لك دور في افساح مساحة للقارئ ليعيد ترتيب مشاهداته في الحياة بعد الانتهاء من قراءة رواياتك؟
♦♦ الرواية ليست دستورا يجب على الجميع العمل تحت مظلته، بل هي تجربة حياة تنقل خبرة الكاتب وموقفه من العالم إلى القارئ المجد المتفهم، أحيانا يكون لدى المتلقي فراغ معرفي قد تسكنه معلومة أو موقف مر به أثناء القراءة، فيتأثر ويعيد تشكيل وعيه واتجاهاته، وكثير من المواقف الروائية أثرت في القراء ولو على مستوى الوعى أو حتى الذكرى، وعندما يمر بموقف مشابه قد يتماهى مع أحد أبطال رواية قرأها ويحذو حذوه، أو أن يأتي بفعل مغاير يؤدى إلى نتيجة جديدة لم تذكر في الروايات والكتب، دعني أقول أن الكاتب والمتلقي يطاردان بعضهما البعض في إطار ذهني باعتبارهما فعل مستمر ورد فعل دائم، وبالتالي تؤثر الرواية الصادقة في وجدان القارئ شعر بذلك أو لم يشعر.
♦ ما رأيك في كتاب الجوائز؟
♦♦ للأمانة تثير بعض الاختيارات الدهشة لهشاشة الأسلوب، لذلك اقترح أن تكون هناك جائزة “للكتابات المعلبة” لكن أيضا ولا نستطيع أن ننكر أن كثير من الجوائز يستحقها الفائزون بها، ومع ذلك يوجد الكثيرون من الكتاب والكاتبات لا تلتفت “المكافآت” لإنتاجهم المتميز، هؤلاء كالعطر المعتق سيأتي يوما ليملئوا عالم القراءة بأريجهم الطازج والمنعش.
♦ أين أعمالك من عالم السينما حيث نعلم أن لك اهتماما كبيرا بها؟
♦♦ هناك أمنيات من جانب قراء ونقاد لتحويل كل من “إمام المرج” و “الحزن والبهجة” إلى عمل سينمائي أو تليفزيوني، وبالفعل حدث اتصال بيني وبين أحد أهم المنتجين في مصر بعد أن اختار إحدى الروايتين لتحويلها إلى فيلم سينمائي، ثم اعتذر لأسباب منها أن الرواية بها فلسفة اجتماعية عميقة والسوق المصري أصبح يسعى خلف أفلام “المغامرات والإثارة” لكن تم بالفعل تحويل قصة “ليلة السيدة الخمرية” إلى فيلم روائي قصير مدته تسع دقائق من إخراج مهند لطفي.
♦ أخيرا كيف تنظر إلى إنتاجك الأدبي؟
♦♦ أعتقد أن الفن في جوهره تطهير وامتاع، وهو مبدأ أرسطي اقتنع به الأديب الكبير نجيب محفوظ، وتماهيت مع مفهومه بل وأيقنت به بالفعل، لكن ليس على الطريقة الأرسطي التي تقول أن الشعر والتراجيديا يمتعان المتلقي من خلال معانى الخوف والألم ثم يطهران نفسه منهما، بل لأن الكتابة تطهر الكاتب وتحقق متعة لدى المتلقي، هنا التماهي والغوص في التفاصيل يحققان للقارئ الهدفان معا، إمتاعه وتطهيره، أما الكاتب أو المبدع عموما فيكفيه التطهر من هواجسه وآلامه ليعود نقيا كسحابة صيف تعبر الزمن بثقة وهدوء.
سيرة ذاتية

تامر صلاح الدين صحفي وروائي سكندري
عمل في الصحافة لحوالي ثلاثة عقود، متنقلا بين أقسام السياسة والتحقيقات والمجتمع، عمل أيضا بوكالة الأنباء اليمينة “سبأ” وبوكالة الصحافة العربية في القاهرة إضافة إلى خبرته كصحفي في الجرائد المصرية المستقلة والحزبية.
في عام 2011 أسس مجموعة الكل الإعلامية “الكل ميديا جروب” والتي أنتجت عددا من الأفلام التسجيلية، إضافة إلى إطلاق عدد من المواقع الإلكترونية المتخصصة في الأخبار والفن والرياضة، وفى عام 2019 حصل على تصريح خاص من المجلس الأعلى للإعلام بجمهورية مصر حيث أطلق مجلة “كافيين” المتخصصة في نقد الفنون السبعة، وفى عام 2024 أطلق ورأس تحرير موقع caffeineartnews.com المتخصص في تغطية الأخبار والفعاليات الثقافية في مصر والعالم العربي بعدة لغات.
طبعت مؤلفاته الروائية أكثر من مرة وأشهرها رواية “إمام المرج” التي صدرت عام 2019 عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة، لحقتها مطويتان بالنثر عنوانهما “البحار” و “قد تجدين حبيبا” الصادرتان عن دار ليفانت للدراسات الثقافية والنشر بالإسكندرية، ثم رواية “الحزن والبهجة” إلى جانب مشاركته في عدة كتب تتنوع بين مجالات السياسة والقصص القصيرة، ومنها مجموعته “ليلة السيدة الخمرية” التي صدرت طبعتها الثالثة عن دار العلوم للنشر والتوزيع بالقاهرة.




