بعد أكثر من عقدين على انهيار الدولة المركزية في الصومال، بعد سقوط نظام سياد بري عام1991 ما زالت قضية حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة تمثل أحد أكبر التحديات الأمنية والسياسية في القرن الإفريقي، ليس فقط بسبب قدرتها العسكرية، بل بسبب تعقيد البيئة التي نشأت فيها، حيث تتداخل عوامل الفقر، وضعف مؤسسات الدولة، والخلافات القبلية، والصراع على شكل النظام السياسي.
بالعودة سنوات للوراء فقد تأسست حركة الشباب في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كجناح عسكري للمحاكم الإسلامية التي سيطرت على أجزاء واسعة من جنوب الصومال عام 2006 قبل تدخل القوات الإثيوبية وسقوط تلك التجربة. وبعد ذلك تحولت الحركة إلى تنظيم مسلح مستقل، وأعلنت ارتباطها بتنظيم القاعدة عام 2012، وأصبحت تنفذ هجمات داخل الصومال وخارجه، خصوصًا في كينيا.
فيما الحكومة الصومالية بقيادة الرئيس حسن شيخ محمود ، المدعومة من بعثة الاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي، أن القضاء على الحركة يمثل أولوية وطنية، وأن العمليات العسكرية الأخيرة نجحت في استعادة بعض المناطق وتقليص نفوذ الجماعة.
كما يركز خطاب الحكومة على بناء جيش وطني ومؤسسات أمنية قادرة على تولي المسؤولية بدل الاعتماد الكامل على القوات الأجنبية.
في المقابل، يرى باحثون في شئون الحركات المسلحة أن استمرار الحركة لا يرتبط فقط بقدرتها العسكرية، بل بوجود فراغات سياسية واجتماعية تستغلها. فالحركة، رغم طبيعتها المسلحة المتطرفة، حاولت في بعض المناطق بناء هياكل إدارية وجمع ضرائب وتقديم خدمات وفق رؤيتها الخاصة، مستفيدة من ضعف الدولة وغياب البدائل في بعض المناطق الريفية.
المواجهة العسكرية لا تكفي
دراسات مجموعة الأزمات الدولية ومعهد الدراسات الأمنية الإفريقية اعادوا قدرة الحركة علي الاستمرار إلى أن المواجهة العسكرية وحدها لم تكن كافية لإنهاء الحركة، وأن الحل يحتاج إلى معالجة عوامل أعمق مثل الفقر، والفساد، وضعف العدالة المحلية، والخلافات بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية.
وعلي الصعيد الفكري والعقدي ، يمثل ملف الحركة تحديًا خاصًا للتيارات الإسلامية الصومالية. فالكثير من العلماء والحركات الإسلامية التقليدية في الصومال رفضوا فكر حركة الشباب، معتبرين أن استخدام العنف ضد المدنيين وتكفير المخالفين يتعارض مع أصول الشريعة ومقاصدها. كما شاركت مؤسسات دينية وشخصيات علمائية في حملات فكرية ضد خطاب الجماعة.
لكن بعض الباحثين يشيرون إلى أن معالجة الفكر المتطرف لا تتم فقط بالرد الديني، بل تحتاج أيضًا إلى معالجة البيئة التي تسمح بانتشار الخطاب المتشدد، خصوصًا بين الشباب الذين يعانون البطالة وضعف التعليم وانعدام الفرص.
ملف الفيدرالية
ومن المهم الإشارة هنا وعلي الصعيد السياسي أن ملف الفيدرالية أحد الملفات المهمة في مستقبل الصومال. فالحكومة الاتحادية تحاول تعزيز سلطتها، بينما تتمسك بعض الولايات بصلاحيات واسعة. ويرى محللون أن الانقسامات السياسية بين النخب الصومالية أحيانًا تمنح حركة الشباب مساحة للمناورة.
وفي المجال الحقوقي ، فتتهم منظمات دولية جميع أطراف الصراع بارتكاب انتهاكات بدرجات مختلفة، بما في ذلك حركة الشباب بسبب الهجمات ضد المدنيين، والقوات الحكومية أو المتحالفة معها بسبب بعض العمليات العسكرية التي أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين. وتطالب الأمم المتحدة بتحسين آليات التحقيق والمساءلة.
اقتصاديًا، يبقى الصومال من أفقر دول العالم، رغم امتلاكه إمكانات في الثروة الحيوانية والموارد البحرية والموقع الجغرافي المهم قرب خليج عدن. ويرى خبراء التنمية أن بناء اقتصاد شرعي قادر على توفير فرص للشباب يمثل جزءًا أساسيًا من مواجهة الجماعات المسلحة.

دبلوماسيًا، أصبح الصومال يحظى باهتمام متزايد بسبب موقعه الاستراتيجي، وعلاقاته مع تركيا ودول الخليج والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كما لعبت تركيا دورًا بارزًا في مجالات التدريب العسكري والبنية التحتية والتعليم، بينما تقدم دول أخرى دعمًا أمنيًا وإنسانيًا.
ويرى محللون أن مستقبل الصومال سيعتمد على قدرة الدولة على الانتقال من منطق الحرب المستمرة إلى بناء مؤسسات فعالة. فضعف الدولة كان تاريخيًا البيئة الأهم التي سمحت للحركات المسلحة بالنمو، وإنهاء هذا الضعف قد يكون أكثر تأثيرًا من أي عملية عسكرية منفردة.
شبكات محلية للتمويل والتجنيد
وفي نفس السياق يري البحث الصومالي عبدالقادر محمد علي إن عدم انهيار حركة الشباب رغم الضربات الجوية والعمليات البرية المتواصلة لا يعني أنها لم تتأثر، بل يعكس قدرتها على التكيف مع الضغوط العسكرية.
واضاف في دراسة له أن الحركة فقدت قيادات ومناطق نفوذ، لكنها ما زالت تحتفظ بشبكات محلية للتمويل والتجنيد والاستخبارات، كما تستفيد من هشاشة مؤسسات الدولة، والخلافات السياسية، وتعقيدات البنية العشائرية، وهو ما يمنحها القدرة على إعادة تنظيم صفوفها والعودة إلى تنفيذ الهجمات.”
وشدد علي أن أن الاعتماد على الحل العسكري وحده لن يكون كافياً لإنهاء التهديد، مشيراً إلى أن الحركة تستغل الفراغ الأمني وضعف الخدمات الحكومية في بعض المناطق للحفاظ على نفوذها، بينما يتطلب إضعافها بصورة مستدامة الجمع بين العمليات العسكرية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وقطع مصادر التمويل، وإطلاق برامج للمصالحة والتنمية المحلية.


