صدر كتاب “القبيلة والدولة في إفريقيا” عن مركز الجزيرة للدراسات ضمن سلسلة “أوراق الجزيرة” بالرقم 32، بالتعاون مع الدار العربية للعلوم ناشرون، عام 2013م .
يقع الكتاب في 157 صفحة، وهو من تأليف عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الموريتاني الدكتور عبد الودود ولد الشيخ، وترجمة محمد بابا ولد أشفغ .
يندرج الكتاب ضمن الدراسات الأكاديمية الرصينة التي تسعى إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين البنى القبلية التقليدية ومؤسسة الدولة الحديثة في القارة الإفريقية .
مقدمة
يترك الانطباع السائد عند كثير من المراقبين أن ما تعرفه القارة الإفريقية من عدم استقرار سياسي وتخلف اقتصادي وضعف مؤسسي إنما يعود إلى هيمنة التنافس العرقي وسيطرة القبيلة على الشأن العام .
يعزز هذا الانطباع ما تنشره أجهزة الإعلام على نطاق واسع، الأمر الذي دفع المؤلف إلى قراءة معمقة حول العلاقة بين القبيلة والعرق في سياق إفريقيا جنوب الصحراء .
ينطلق الكتاب من مفاهيم نظرية وضعها اجتماعيون وأنثروبولوجيون مثل إميل دوركايم وإيفانز-بريتشارد، ليؤسس نقاشاً مستفيداً من التراث الخلدوني ومستثمراً مفهوم “العصبية” .
كما يسعى المؤلف إلى فهم التعايش المستعصي والتحاور الصدامي بين القبيلة المهيمنة في إفريقيا منذ القدم وبين الكيان المستحدث: الدولة الحديثة .
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
يتمحور الكتاب حول فكرة جوهرية: العلاقة بين القبيلة والدولة في إفريقيا ليست علاقة تناقض أو إلغاء، بل هي علاقة تداخل وتفاعل واستعارة مستمرة .
فالقبيلة، بوصفها تنظيماً اجتماعياً قائماً على القرابة والعصبية، ليست مجرد بقايا من الماضي، بل هي فاعل سياسي واجتماعي حيّ أعاد إنتاج نفسه في سياقات مختلفة .
والدولة الحديثة، المستوردة إلى حد كبير من النموذج الغربي، واجهت تعقيدات المجتمعات القبلية، فلم تستطع إلغاءها، بل اضطرت إلى التفاوض معها وتوظيفها، مما جعل القبيلة أداة للسيطرة من جهة، وأرضية للمقاومة من جهة أخرى .
أهم فصول الكتاب ومضمونها
ينقسم الكتاب إلى جزأين رئيسيين: الأول بعنوان “التضامنات الأساسية”، والثاني بعنوان “في البحث عن الدولة” .
في الجزء الأول، يعالج المؤلف مفهوم القبيلة بوصفها بناءً اجتماعياً متغيّراً وليس كياناً ثابتاً، كما يناقش مفهوم العرق كنتاج للهندسة الاستعمارية .
ويقدّم المؤلف أمثلة مستخلصة من ملاحظاته الشخصية ومن أدبيات الإثنوغرافيا الوصفية الإفريقانية، موضحاً وزن العوامل الدينية في شرعنة مختلف أشكال السلطة .
أما الجزء الثاني، فيعرض فيه المؤلف عدداً من الملاحظات العامة حول طبيعة الدولة على ضوء الأرضيات الأنثروبولوجية الإفريقية وماضي الدولة في إفريقيا .
ويهتم الكتاب بأشكال إضفاء صبغة القبيلة على الدولة المستوردة وصورها الرمزية فيما بعد الاستعمار، وعلاقة ذلك بمختلف “حقول الاستقطاب” .
اقتباسات من الكتاب
يُشير الطرح الخلدوني الذي يستند إليه الكتاب إلى أن “العصبية” ليست مجرد شعور، بل أداة سياسية فعالة في صراعات السلطة والهيمنة .
ويؤكد المؤلف على أن “القبيلة ليست مجرد بقايا من الماضي، بل هي فاعل سياسي واجتماعي حيّ أعاد إنتاج نفسه في سياقات مختلفة” .
أهم أقوال الكتاب
من أهم ما يخلص إليه الكتاب أن الثنائيات الجامدة (تقليدي/حديث، قبيلة/دولة، محلي/مستورد) تعيق فهم الديناميات الهجينة والمرنة للمجتمعات الإفريقية .
ويشير الكتاب إلى أن بعض القادة السياسيين من جيل الاستقلال وبعض المؤرخين يضعون اللائمة بالنسبة للنزاعات القبلية والعرقية على تأثيرات التقسيم الاستعماري والتنافس الدولي على القارة .
أهمية الكتاب
يكتسب الكتاب أهميته من كونه يقدّم نموذجاً ممتازاً لكيفية مقاربة ظواهر اجتماعية وسياسية معقدة دون تبسيط أو أيديولوجيا .
كما يعرّف القارئ العربي بأهم النقاشات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية حول إفريقيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين .
ويُعدّ إسهاماً أكاديمياً قيّماً في المكتبة العربية، حيث يقدّم مراجعة نقدية للمفاهيم الأساسية مثل القبيلة والعرق والدولة والأصالة .
نقد الكتاب
من أبرز ما يمكن ملاحظته أن الكتاب قد يكون مركّزاً على غرب إفريقيا وشرقها، بينما تغيب أمثلة من وسط إفريقيا وجنوبها .
كما أن تاريخ النشر (2013) يسبق تطورات مهمة مثل تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، والحروب في ليبيا بعد 2014 .
ويبدو أن الكتاب لا يتطرق بشكل موسع إلى تأثير البيئة الطبيعية (الجفاف، التصحر، الأوبئة) على تطور الدولة في إفريقيا .
كتب مشابهة
يمكن الإشارة إلى كتب ودراسات في مجال الأنثروبولوجيا السياسية لإفريقيا، مثل أعمال إيفانز-بريتشارد عن قبائل النوير، ودراسات بالندييه ومياسو حول الدولة في إفريقيا .
كما تعتبر كتابات المؤرخين الأفارقة حول التقسيم الاستعماري وتأثيره على البنى الاجتماعية والعرقية من المراجع المهمة في هذا السياق .
ربط الكتاب بالواقع الآن
تبقى الرسالة الأساسية للكتاب ملحة وقابلة للتطبيق، خاصة في ظل استمرار النزاعات في منطقة الساحل والصحراء .
فالتداخل بين القبيلة والدولة لا يزال قائماً في كثير من الدول الإفريقية، حيث تلجأ النخب السياسية إلى توظيف الروابط القبلية لتعبئة الأنصار .
ويمكن للقارئ المسلم أن يستفيد من منهج الكتاب في التفكير النقدي البعيد عن التبسيط، والسعي لفهم سنن الله في المجتمعات والتغير الاجتماعي، كما دعا ابن خلدون في مقدمته.
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
المؤلف هو الدكتور عبد الودود ولد الشيخ، عالم اجتماع وأنثروبولوجيا موريتاني، من مواليد عام 1948 .
عمل في المعهد الموريتاني للبحث العلمي، وكان أستاذاً لعلم الأعراق في جامعة بول فيرلين-متز حتى عام 2010 .
من كتبه: “عناصر من تاريخ موريتانيا” (1988)، كما أشرف على العديد من الرسائل الجامعية في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع .
الكتاب في ميزان الإسلام
يمكن النظر إلى الكتاب من زاوية إسلامية بوصفه مساهمة في فهم سنن الله في الاجتماع البشري، كما تجلى ذلك في مفهوم “العصبية” عند ابن خلدون .
فالكتاب لا يقدّم “وصفة” جاهزة لحل مشكلات الحكم في إفريقيا، لكنه يقدّم أدوات مفاهيمية أكثر دقة للتفكير فيها .
ويُذكّرنا الكتاب بقيمة العدل والتراحم في بناء المجتمعات، بعيداً عن العصبيات الضيقة التي حذّر منها الإسلام.