ترى دمشق قائمة على قدم وساق، (القلابات) تنصب في كل مكان، في مقبرة الدحداح، وفي الجنائن وأطراف البساتين، (والدويخات) في الساحات الكبرى، و (البسطات) ويا لروعتها في نفوس الأطفال، هل تعرفون ماهي البسطات؟ دكك من الخشب لها طبقات، وتغطى بالستائر الخضر والحمر، وتصف عليها السكاكر والألاعيب، تتصدرها الأعجوبة الكبرى، حلم الحالمين من الأولاد، (الأطمبيل) الذي يمشي (بالزنبرك).
وتعد عربات (يا مريكب يا عيار) وهي عربات بائعي الحلاوة، تزخرف وتعلق فيها الأجراس، ويجرها صاحبها إن كانت صغيرة، وإن كانت أكبر جاء بحمارة بيضاء جميلة، فزيّنها وحسّنها حتى لكأنها في يوم زفافها إلى أعظم حمار في البلد.
والقهوات تستعد، بالحكواتي والكركوزاتي، والكراكوز هو سينما تلك الأيام، وكان في دمشق من أهل هذه الصناعة من كانوا أعاجيب في تأليف القصص، وفي إخراجها وفي تمثيلها،والكراكوزاتي هو الذي يصنع ذلك كله، وهو يقلد بفمه أشخاص الروايةجميعا، وأشخاصها (كراكوز)، و (عيواظ)، و (مدلل)، و (كرّش)…..
وكل ذلك بشائر العيد.
وفي البيوت ينغمس النساء في صنع (المعمول) و (التويتات) و (الكرابيج)، حتى إذا وضعنه في الصواني وأرسلنه إلى الفرن سمعت المدافع، واحد، اثنان، خمسة، عشرة، واحد وعشرون مدفعا؛ لقد جاء العيد.
فيركض الصغار يقبلون أيدي الكبار، كل يقبل يد من هو أكبر منه، ويمد الأطفال أيديهم لتلقي العيديات. وأنتم لا تقدرون الآن فرحة هذه العيديات، حين يعد كل ولد ما جمع، كقائد يحصي غنائمه بعد المعركة، أو تاجر يحسب أرباحه، وماللأطفال والمال؟ أترونهم رضعوا حبه مع لبن الأمهات؟ أم هي فطرة فطروا عليها؟ أم هو الاحتذاء و التقليد؟
وكانت العيديات كثيرة، لأن في كل بيت قبيلة، الأم والأب والإخوة، والعم وزوجته وأولاده، والعمات والجدة، والحاكم العام هو الجد الكبير،
يأكل هذا الجيش كله من قدر واحد على مائدة واحدة، والبيت يرفرف عليه السلام فلا نزاع ولا خصام..






