كشف محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لشهر مارس عن مأزق استراتيجي غير مسبوق يواجه صانعي السياسة النقدية، حيث تصاعدت داخل اللجنة نبرة “تشددية” تطالب برفع أسعار الفائدة كضرورة قصوى لاحتواء التضخم الجامح الذي اخترق سقف الـ 2% مدفوعاً بتبعات المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران.
وقد كشفت المداولات عن تحول جوهري في الرؤية؛ فبعد أن كانت التوقعات تميل للتهدئة في يناير، فرض الانفجار الجيوسياسي واقعاً جديداً دفع “كتلة متنامية” من المسؤولين للاستعداد لزيادات محتملة في نطاق الفائدة.
واعتبروا أن استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة لم يعد مجرد احتمال، بل أصبح خطراً ماثلاً يتطلب تدخلاً نقدياً حازماً لتطويق آثار “صدمة الطاقة” الناتجة عن تعطل إمدادات النفط العالمية.
وعلى الرغم من هذا الاتجاه التشددي، تبرز داخل المحضر مخاوف موازية من “انكسار” سوق العمل، حيث رأى غالبية المشاركين أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط قد يسحب البساط من تحت أقدام النمو الاقتصادي، ما قد يفرض في نهاية المطاف “خفضاً اضطرارياً” للفائدة لحماية القوة الشرائية للأسر التي تضررت من قفزة أسعار الوقود التي تجاوزت 50%.
هذا الانقسام الحاد جعل الفيدرالي يفضل سياسة “الانتظار الحذر” عبر تثبيت الفائدة عند 3.50%-3.75%، ريثما يتضح ما إذا كانت تداعيات الحرب ستؤدي إلى اشتعال تضخمي لا يمكن السيطرة عليه، أم إلى ركود اقتصادي ينهك سوق العمل ويستدعي خطة إنقاذ عاجلة.
ومع إصدار هذا المحضر بالتزامن مع إعلان “هدنة الأسبوعين” وهبوط أسعار الخام إلى 92 دولاراً، يرى الخبراء أن الفيدرالي بات يسير فوق حبل مشدود؛ فالحرب لم تكتفِ برفع التضخم، بل “أفسدت” النماذج الرياضية التي يعتمد عليها البنك المركزي في توقعاته للنمو والبطالة.
إن التحدي القادم أمام واشنطن لا يكمن فقط في استقرار أسعار الطاقة، بل في مدى قدرة السياسة النقدية على استيعاب المتغيرات الجديدة، مثل تسارع الذكاء الاصطناعي والتحولات في سلاسل التوريد، وسط عالم أثبتت أحداث مارس أن “الاستقرار الاقتصادي” فيه أصبح رهينة لمزاج القادة العسكريين والسياسيين في مناطق الصراع.


