يتسارع التصعيد العسكري على الجبهة اللبنانية الجنوبية بصورة توحي بأن إسرائيل تحاول فرض وقائع ميدانية جديدة قبل نضوج أي تفاهم أميركي ـ إيراني محتمل في المنطقة، مستفيدة من حالة السيولة السياسية الإقليمية ومن تعثر الجهود الدبلوماسية الخاصة بوقف النار أو تثبيت قواعد اشتباك مستقرة على الحدود اللبنانية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهد جنوب لبنان موجات متلاحقة من الغارات الجوية والقصف المدفعي الإسرائيلي، خصوصاً في قضاء صور والنبطية والقطاع الغربي، ترافقت مع إنذارات متكررة بإخلاء بلدات حدودية وتوسيع مناطق التهديد لتشمل عشرات القرى. وتقول مصادر ميدانية لبنانية إن العائلات الجنوبية باتت تعيش دورة نزوح وعودة مستمرة، إذ يغادر السكان تحت وطأة الغارات ثم يعودون بعد ساعات أو أيام بسبب عدم قدرتهم على الاستقرار خارج مناطقهم أو خوفهم من فقدان ممتلكاتهم وأرزاقهم.
الجيش الإسرائيلي أصدر خلال مايو 2026 سلسلة إنذارات لسكان بلدات عدة في جنوب لبنان، شملت مناطق في قضاء صور مثل طيردبا والعباسية وبرج رحال ومعروب وباريش وجناتا وعين بعال، قبل تنفيذ غارات جوية مكثفة على تلك المناطق. كما توسعت الإنذارات لاحقاً لتشمل بلدات إضافية في النبطية وصيدا، وسط تحليق كثيف للطائرات المسيّرة الإسرائيلية.
وفي 19 مايو، تحدثت تقارير ميدانية عن إنذارات إسرائيلية بإخلاء 12 بلدة جنوبية بالتزامن مع غارات عنيفة استهدفت مناطق في النبطية والقطاع الغربي. بينما شهد مطلع مايو أكثر من 16 هجوماً متنوعاً وغارات على بلدات عدة أسفرت عن قتلى وجرحى، بينهم مدنيون ومسعفون.
مصادر لبنانية وإعلامية تتحدث عن أن عدد البلدات المتضررة بشكل مباشر أو غير مباشر تجاوز ثلاثين بلدة جنوبية خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل سياسة إسرائيلية تقوم على توسيع “الحزام الأمني بالنار” وإبقاء السكان في حالة ضغط دائم. ويرى محللون لبنانيون أن الهدف الفعلي يتجاوز الرد العسكري المباشر إلى محاولة فرض منطقة عازلة غير معلنة عبر جعل الحياة الطبيعية مستحيلة في الشريط الحدودي.
الباحث اللبناني قاسم قصير، المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، قال في مقابلة حديثة إن إسرائيل “تحاول استثمار اللحظة الإقليمية قبل أي تفاهم أميركي ـ إيراني محتمل، لفرض وقائع حدودية جديدة وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك في الجنوب”. ويرى أن تل أبيب تعتبر أن أي تسوية إقليمية لاحقة قد تحدّ من هامشها العسكري، ولذلك تسابق الوقت لتثبيت معادلات ميدانية جديدة.
أما الكاتب والمحلل السياسي اللبناني رضوان مرتضى فاعتبر في تحليل نشر خلال مايو 2026 أن “الجنوب اللبناني يعيش اليوم تحت استراتيجية الاستنزاف البطيء”، مشيراً إلى أن النزوح المتكرر واستهداف البنية المدنية والإنذارات اليومية تهدف إلى خلق فراغ سكاني تدريجي في القرى الحدودية.
ووفق تقديرات متداولة في الإعلام اللبناني والدولي، فإن حصيلة المواجهات والقصف المتبادل منذ اتساع التصعيد تجاوزت ثلاثة آلاف قتيل وتسعة الاف جريح، بينهم أعداد كبيرة من المدنيين وعناصر الإسعاف والطواقم الطبية. وتشير تقارير محلية إلى أن المسعفين باتوا ضمن الفئات الأكثر تعرضاً للخطر نتيجة استهداف الطرق ومحيط الغارات أثناء محاولات الإخلاء والإنقاذ.
ويرى مراقبون أن التحدي الأكبر أمام الحكومة اللبنانية يتمثل في كيفية التعامل مع واقع عسكري يتغير يومياً، بينما تبدو المسارات السياسية والدبلوماسية عاجزة عن إنتاج ضمانات فعلية. وتقول أوساط سياسية لبنانية إن بيروت “تفاوض تحت النار”، في وقت تبدو فيه المفاوضات أقرب إلى محاولة احتواء الانهيار الميداني لا إلى فرض وقف حقيقي للتصعيد.
وفي المقابل، يواصل حزب الله الرد عبر استهداف تجمعات للجنود الإسرائيليين وآليات عسكرية ومواقع حدودية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة. الحزب أعلن خلال مايو تنفيذ هجمات بمسيّرات انقضاضية ضد تجمعات إسرائيلية في بلدة البياضة جنوب لبنان، التي تقول تقارير ميدانية إن القوات الإسرائيلية سيطرت عليها قبل نحو شهرين ضمن عمليات التوغل الأخيرة.
كما أعلن الحزب استهداف تجمعات إسرائيلية في محيط مرتفع الصلعة وبلدة القنطرة، إضافة إلى مواقع قيادية وآليات عسكرية داخل القطاع الغربي. وفي 17 و19 مايو تحدثت تقارير عن اشتباكات مباشرة مع قوات إسرائيلية حاولت التقدم قرب بلدات حدودية جنوبية.
ويرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية نيقولا ناصيف أن إسرائيل لم تعد تكتفي بسياسة الردع التقليدي، بل انتقلت إلى “سياسة إعادة رسم الحدود بالنار”، مستفيدة من هشاشة الوضع اللبناني والانشغال الدولي بملفات إقليمية أخرى، خصوصاً التوتر بين واشنطن وطهران.
في المقابل، يعتبر محللون مقربون من محور المقاومة أن استمرار القصف والإنذارات الإسرائيلية يعكس عجز تل أبيب عن تحقيق حسم عسكري واضح، وأن الهدف الحالي هو الضغط النفسي والديموغرافي أكثر من السيطرة الكاملة. ويشير هؤلاء إلى أن استمرار عودة السكان إلى قراهم رغم الغارات يمثل فشلاً لمحاولات فرض إخلاء دائم للمنطقة الحدودية.
لكن المؤكد، بحسب متابعين ميدانيين، أن الجنوب اللبناني دخل مرحلة جديدة تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية التي سادت بعد حرب 2006، وأن السكان باتوا يعيشون بين نزوح مؤقت دائم، وغارات لا تتوقف، وحدود تتغير تدريجياً تحت ضغط النار، فيما تبدو التسويات السياسية بعيدة عن وقف هذا الاستنزاف المفتوح.


