يُعد كتاب «بين الحرية الإنسانية والقدر الإلهي في الفكر الإسلامي» من أهم الدراسات الغربية الحديثة التي تناولت قضية الجبر والاختيار في التراث الإسلامي من منظور جديد ومختلف.
صدر الكتاب أصلًا باللغة الإنجليزية تحت عنوان: Free Will and Predestination in Islamic Thought: Theoretical Compromises in the Works of Avicenna, al-Ghazālī and Ibn ʿArabī، ثم ترجمه إلى العربية محمود سلامة، وصدر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة عام 2019.
تقع الدراسة في نحو 259 صفحة، وتندرج ضمن مجالات الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام والتصوف وتاريخ الأفكار الدينية.
وتسعى المؤلفة الإيطالية ماريا دي سيليز إلى إعادة قراءة واحدة من أعقد الإشكاليات الفكرية في الحضارة الإسلامية، وهي العلاقة بين حرية الإنسان ومسؤوليته من جهة، وبين القضاء والقدر الإلهي من جهة أخرى.
وتنطلق الباحثة من فرضية أساسية مفادها أن كبار مفكري الإسلام لم ينحازوا بصورة مطلقة إلى الجبر أو الاختيار، بل حاولوا الوصول إلى صيغ توفيقية تجمع بين الأمرين.
مقدمة
منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يتأمل وجوده، ظل سؤال الحرية واحدًا من أكثر الأسئلة إلحاحًا وغموضًا.
هل نصنع مصائرنا بأيدينا، أم أن الطريق مرسوم سلفًا قبل أن نولد؟
وهل يمكن الجمع بين الإيمان بقدرة الله المطلقة وبين مسؤولية الإنسان عن أفعاله؟
هذه الأسئلة لم تكن مجرد ترف فلسفي أو جدل نظري بين العلماء.
بل ارتبطت بقضايا العقيدة والعدالة والثواب والعقاب ومعنى التكليف ذاته.
وقد شغلت هذه الإشكالية عقول المتكلمين والفلاسفة والمتصوفة على امتداد قرون طويلة.
وفي هذا الكتاب تحاول ماريا دي سيليز إعادة فتح هذا الملف الشائك، لا من خلال تتبع المذاهب الكلامية الكبرى فحسب، بل عبر دراسة ثلاثة من أعظم العقول الإسلامية: ابن سينا، والغزالي، وابن عربي.
وتكشف الدراسة أن هؤلاء المفكرين، على اختلاف مناهجهم ومشاربهم، كانوا يسعون جميعًا إلى هدف واحد: إيجاد مساحة تسمح بإثبات حرية الإنسان دون المساس بسيادة الإرادة الإلهية.
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
يرى الكتاب أن الصراع التقليدي بين الجبر والاختيار لا يعكس الصورة الحقيقية للفكر الإسلامي.
فبدلًا من الانقسام الحاد بين فريق يؤكد الحرية المطلقة وفريق يؤكد الحتمية المطلقة، يكشف الكتاب عن وجود حلول توفيقية معقدة صاغها كبار المفكرين المسلمين.
يدرس الكتاب مشروع ابن سينا الفلسفي القائم على العقل والعناية الإلهية.
ثم ينتقل إلى الغزالي ونظريته في الكسب باعتبارها محاولة للتوفيق بين الخلق الإلهي للفعل والمسؤولية الإنسانية.
وأخيرًا يعرض رؤية ابن عربي الصوفية التي تفسر العلاقة بين القدر والحرية من خلال نظرية الأعيان الثابتة ووحدة الوجود.
وتخلص المؤلفة إلى أن هؤلاء المفكرين الثلاثة، رغم اختلاف لغاتهم ومناهجهم، انتهوا إلى نتائج متقاربة أكثر مما يظن كثير من الباحثين.
أهم فصول الكتاب
الفصل الأول: ابن سينا والعناية الإلهية
يفتتح الكتاب بدراسة معمقة لفلسفة ابن سينا في مسألة الحرية والقدر.
يرى ابن سينا أن الله هو العلة الأولى للوجود كله.
والكون يسير وفق نظام عقلي محكم يقوم على الحكمة والضرورة.
ويؤكد أن العناية الإلهية ليست تدخلاً مستمرًا في الأحداث الجزئية، بل هي علم الله الكامل بالنظام الأمثل للكون.
ومن هنا يحاول تفسير وجود الشر.
فالشر عنده ليس كيانًا مستقلاً خلقه الله.
بل هو نقص في الخير أو غياب للكمال.
وتكمن حرية الإنسان في قدرته العقلية على إدراك الخير والشر والتمييز بينهما.
ومن أبرز أفكار هذا الفصل أن المسؤولية الأخلاقية تنبع من الإدراك العقلي للإنسان، لا من استقلاله الكامل عن الإرادة الإلهية.
الفصل الثاني: الغزالي ونظرية الكسب
ينتقل الكتاب إلى الغزالي بوصفه أحد أبرز من حاولوا معالجة المشكلة من منظور كلامي.
ويعرض مفهوم الكسب باعتباره الركيزة الأساسية في فهم موقف الغزالي.
فالله عند الغزالي هو خالق الأفعال جميعًا.
لكن الإنسان يكتسب هذه الأفعال من خلال الإراد ة والاختيار.
وترى المؤلفة أن هذه النظرية تمثل محاولة دقيقة للموازنة بين التوحيد المطلق لله وبين المسؤولية الأخلاقية للإنسان.
كما يناقش الفصل نقد الغزالي للفلاسفة، خاصة ابن سينا.
ويبرز اعتراضه على فكرة الضرورة الفلسفية التي تجعل الفعل الإلهي أشبه بنتيجة حتمية.
فالغزالي يصر على أن الله فاعل مختار ومريد، وليس مجرد علة تنتج آثارها بالضرورة.
الفصل الثالث: محمد إقبال ونقد التراث الكلامي
يُعد هذا الفصل من أكثر فصول الكتاب إثارة.
إذ تستعين المؤلفة برؤية الفيلسوف والشاعر الباكستاني محمد إقبال لتقييم الحلول التراثية السابقة.
ويرى إقبال أن نظرية الكسب لم تنجح في حل المشكلة.
لأن الإنسان، وفق هذا التصور، لا يزال غير خالق لأفعاله.
ومن ثم فإن الحديث عن مسؤوليته الكاملة يصبح موضع تساؤل.
ويؤكد إقبال أن الإنسان يجب أن يُفهم بوصفه ذاتًا فاعلة وخلاقة.
وأن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا إذا امتلك الإنسان قدرة واقعية على المبادرة وصنع الفعل.
ويطرح هذا الفصل سؤالًا مهمًا: هل كانت الحلول التراثية حلولًا حقيقية أم مجرد إعادة صياغة للمشكلة بلغة جديدة؟
الفصل الرابع: ابن عربي ووحدة الوجود
يتناول هذا الفصل الرؤية الصوفية العميقة للشيخ الأكبر ابن عربي.
وتتمحور الفكرة الأساسية حول مفهوم الأعيان الثابتة.
فكل موجود له حقيقة أزلية معلومة عند الله قبل ظهوره في العالم.
والخلق عند ابن عربي هو تجلٍّ لهذه الحقائق الأزلية.
ومن هنا يحاول تفسير العلاقة بين القدر والاختيار.
فالإنسان لا يُكره على أفعاله بالمعنى التقليدي.
لكنه يظهر في الوجود وفق الاستعداد الكامن في حقيقته الأزلية.
وترى المؤلفة أن هذا التصور يقدم صيغة مختلفة للحتمية.
إذ يجعل المسؤولية مرتبطة بحقيقة الكائن نفسه لا بإرادة خارجية تفرض عليه أفعاله.
أهم الاقتباسات والأفكار الواردة في الكتاب
من أبرز الأفكار التي يطرحها الكتاب:
“الحلول الكبرى في الفكر الإسلامي لم تكن انتصارًا للجبر أو للاختيار، بل كانت محاولات للتوفيق بينهما.”
“اختلاف المصطلحات لا يعني بالضرورة اختلاف النتائج.”
“ابن سينا والغزالي وابن عربي كانوا يبحثون عن الإجابة نفسها بلغات فكرية مختلفة.”
“مشكلة الحرية والإرادة ليست قضية إسلامية فقط، بل معضلة إنسانية عالمية.”
“كل محاولة لإثبات الحرية المطلقة تهدد مفهوم القدرة الإلهية، وكل محاولة لإثبات الحتمية المطلقة تهدد مفهوم المسؤولية الأخلاقية.”
أهمية الكتاب
تكمن أهمية هذا الكتاب في عدة جوانب.
أولًا.
أنه يبتعد عن القراءات المدرسية المبسطة التي تقسم التراث الإسلامي إلى معسكرات متصارعة.
ثانيًا.
أنه يربط الأفكار الفلسفية بسياقاتها السياسية والاجتماعية والتاريخية.
ثالثًا.
أنه يفتح باب الحوار بين الفلسفة وعلم الكلام والتصوف بدلًا من التعامل معها بوصفها عوالم منفصلة.
رابعًا.
أنه يقدم للقارئ المعاصر صورة أكثر تعقيدًا وثراءً عن العقل الإسلامي.
خامسًا.
أنه يثبت أن الحضارة الإسلامية خاضت نقاشات فلسفية عميقة حول الحرية والعدالة والشر قبل قرون طويلة من ظهور الفلسفات الحديثة.
نقد الكتاب
رغم القيمة العلمية الكبيرة للكتاب، فإنه لا يخلو من ملاحظات نقدية.
فالكتاب موجّه أساسًا إلى المتخصصين.
لذلك قد يجد القارئ العادي صعوبة في متابعة بعض التحليلات الفلسفية والكلامية المعقدة.
كما أن تركيز المؤلفة على ثلاثة مفكرين فقط يجعل الصورة العامة لمسألة الحرية والقدر غير مكتملة.
فثمة مدارس وشخصيات أخرى كان يمكن أن تثري الدراسة، مثل المعتزلة والماتريدية وابن تيمية والفخر الرازي.
ومن الملاحظات المهمة أيضًا أن بعض استنتاجات المؤلفة تعكس رؤية أكاديمية غربية قد لا يتفق معها جميع الباحثين المسلمين.
خصوصًا حين تتحدث عن وجود نوع من “التقية الفكرية” أو إخفاء التناقضات داخل بعض النصوص التراثية.
كما أن بعض الطروحات المتعلقة بابن عربي ووحدة الوجود تظل محل جدل واسع بين علماء المسلمين أنفسهم.
كتب مشابهة
للمهتمين بهذا الموضوع يمكن الرجوع إلى عدد من الكتب المشابهة، منها:
كتاب «تهافت الفلاسفة» للغزالي.
كتاب «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا.
كتاب «الفتوحات المكية» لابن عربي.
كتاب «فصل المقال» لابن رشد.
كتاب «تجديد الفكر الديني في الإسلام» لمحمد إقبال.
كتاب «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية.
كتاب «الموافقات» للشاطبي.
كتاب «مشكلة الحرية الإنسانية» لعدد من الباحثين المعاصرين.
ربط الكتاب بالواقع الآن
تكاد قضية الحرية والإرادة تعود اليوم بثوب جديد.
فالتطورات الهائلة في علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي وعلم النفس السلوكي أعادت طرح السؤال القديم نفسه.
هل قرارات الإنسان نابعة من إرادة حرة حقًا؟
أم أنها نتيجة حتمية لعوامل بيولوجية واجتماعية سابقة؟
كما أن النقاشات الحديثة حول الخوارزميات والذكاء الاصطناعي تثير أسئلة مشابهة.
إذا كانت الآلة تتخذ قراراتها وفق برمجة مسبقة، فهل يختلف الإنسان عنها جذريًا؟
وهنا تبدو أفكار ابن سينا والغزالي وابن عربي أكثر راهنية مما قد نتصور.
فالأسئلة التي ناقشوها قبل ألف عام لا تزال حاضرة في مختبرات العلم الحديث وقاعات الفلسفة المعاصرة.
ومن زاوية إسلامية، يظل القرآن الكريم يؤكد في الوقت نفسه مسؤولية الإنسان عن عمله، وإحاطة علم الله بكل شيء.
وهو ما يجعل قضية القدر من المسائل التي تتجاوز حدود العقل البشري الكامل، وتبقى مجالًا للتأمل والإيمان معًا.
سيرة المؤلفة
ماريا دي سيليز باحثة وأكاديمية إيطالية متخصصة في الفلسفة الإسلامية والدراسات الشيعية.
حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة جنيف.
وعملت في عدد من المؤسسات الأكاديمية الأوروبية المرموقة.
كما شغلت مناصب بحثية وتدريسية في بريطانيا وإيطاليا.
وتعمل في معهد الدراسات الإسماعيلية بلندن، وتولت رئاسة قسم الدراسات الشيعية بالإنابة.
ومن أبرز مؤلفاتها:
«الخلاص والمصير في الإسلام: المنظور الإسماعيلي الشيعي لحميد الدين الكرماني».
«بين الحرية الإنسانية والقدر الإلهي في الفكر الإسلامي».
وتُعرف بأبحاثها المتخصصة في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام والدراسات الإسماعيلية.
هذا الكتاب
هذا الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية عن الجبر والاختيار.
بل هو رحلة فكرية عميقة داخل واحد من أكثر الأسئلة حضورًا في تاريخ الإنسانية.
ومن خلال ابن سينا والغزالي وابن عربي، تكشف ماريا دي سيليز أن العقل الإسلامي لم يكن عقلًا جامدًا أو منغلقًا كما يصوره بعض النقاد، بل كان عقلًا قلقًا ومجتهدًا ومشتبكًا مع أعقد قضايا الوجود.
ويبرز الكتاب أن معضلة الحرية والقدر لم تعرف حلًا نهائيًا وحاسمًا، لا في الفكر الإسلامي ولا في الفلسفات العالمية الحديثة.
وأن القيمة الحقيقية لهذه المحاولات لا تكمن في وصولها إلى جواب أخير، بل في قدرتها على توسيع أفق التفكير وإثراء الحوار الإنساني.
ومن منظور إسلامي، فإن الإيمان بالقضاء والقدر لا يعني إلغاء مسؤولية الإنسان، كما أن إثبات الاختيار لا يعني نفي سلطان الله ومشيئته.
وقد جمع الإسلام بين الأمرين في توازن دقيق ظل موضع اجتهاد وتأمل عبر القرون.
لذلك يكتسب هذا الكتاب أهميته الحقيقية من كونه يعيد إحياء هذا النقاش العريق، ويذكر القارئ المعاصر بأن الأسئلة الكبرى لا تموت، بل تتجدد مع كل عصر في صور وأشكال جديدة.
إنه كتاب يفتح أبواب الفكر أكثر مما يقدم أجوبة نهائية.
ويضع القارئ أمام مرآة الأسئلة التي شغلت الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة قرونًا طويلة.
ولهذا يستحق القراءة بوصفه أحد أهم الكتب المعاصرة التي تناولت العلاقة الشائكة بين حرية الإنسان والقدر الإلهي في التراث الإسلامي.






