لفهم الوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي اليوم، لا يكفي النظر إلى القواعد الحالية، بل يجب تتبع المسار التاريخي الذي بدأ بشكل تدريجي وهادئ، ثم تحوّل إلى شبكة عسكرية كثيفة وحضور دائم يقترب في طبيعته من احتلال غير مباشر وتحكم في القرار الأمني والعسكري في المنطقة.
سنحاول تبسيط الموضوع عبر مجموعة من الأسئلة الأساسية والإجابة عليها كما يلي:
أولاً: متى بدأ الوجود العسكري الأمريكي في الخليج؟
يمكن تقسيم تطور هذا الوجود إلى أربع مراحل رئيسية:
ما قبل 1971 (المرحلة البريطانية):
حتى انسحاب بريطانيا من “شرق السويس” عام 1971، كانت لندن هي القوة الأمنية الرئيسية في الخليج، ولم يكن للولايات المتحدة وجود عسكري مباشر دائم.
1971–1990 (مرحلة الفراغ الاستراتيجي):
بعد الانسحاب البريطاني، تبنت واشنطن سياسة “الركيزتين” (إيران في عهد الشاه + السعودية)، مع الاعتماد على الحلفاء المحليين دون إنشاء قواعد عسكرية مباشرة.
1990–2003 (مرحلة التمركز العسكري):
شكّلت حرب الخليج عام 1991 نقطة التحول الكبرى، حيث بدأت الولايات المتحدة في إنشاء قواعد عسكرية دائمة، خاصة في الكويت، السعودية، البحرين، وقطر.
2003–الآن (مرحلة الشبكة العسكرية المتكاملة):
بعد غزو العراق، توسع الانتشار الأمريكي ليصبح شبكة إقليمية مترابطة تشمل قواعد جوية وبحرية وبرية ومراكز قيادة، تعمل بشكل متكامل عبر المنطقة.
1980 — البداية الحقيقية (سلطنة عمان)
قبل إنشاء قواعد دائمة، وقّعت سلطنة عمان عام 1980 اتفاقية مع الولايات المتحدة تُعرف باتفاقية “تسهيلات الوصول العسكري”، وذلك في سياق حدثين مفصليين: الثورة الإيرانية عام 1979، والغزو السوفيتي لأفغانستان في العام نفسه. وفي هذا السياق أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر “مبدأ كارتر”، الذي اعتبر الخليج منطقة حيوية تستوجب التدخل العسكري الأمريكي عند الضرورة.
بموجب هذه الاتفاقية، حصلت الولايات المتحدة على استخدام:
– جزيرة مصيرة (قاعدة لوجستية وجوية)
– قاعدة ثمريت الجوية
– تسهيلات لاحقة في الدقم
وتكمن أهمية عمان في موقعها الجغرافي: خارج مضيق هرمز، مطلة على المحيط الهندي، وبعيدة نسبياً عن التهديد الإيراني المباشر، ما جعلها أول موطئ قدم عملي للوجود العسكري الأمريكي في الخليج.
1991 — التحول إلى قواعد دائمة
مع حرب الخليج، انتقلت الولايات المتحدة من مرحلة «الوصول» إلى مرحلة «التمركز العسكري المباشر»، لتبدأ ببناء بنية تحتية عسكرية ثابتة في المنطقة.
ثانياً: ما هو حجم الانتشار العسكري الأمريكي الحالي في المنطقة؟
عدد الجنود الأمريكيين في الشرق الأوسط: يتراوح بين 40 ألف و50 ألف جندي
عدد المواقع العسكرية: نحو 19 موقعاً
القواعد الدائمة الرئيسية: حوالي 8 قواعد
القيادة المسؤولة:
القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، ومقرها الأمامي في قطر
ثالثاً: ما هو التوزيع الجغرافي للقواعد الأمريكية في المنطقة؟
‼️قطر:
1️- قاعدة العديد الجوية: أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة منذ 1996، تضم نحو 10–13 ألف جندي، وتُعد مركز القيادة الجوية للعمليات.
2️- قاعدة السيلية: مركز لوجستي ضخم لتخزين المعدات.
‼️الكويت
1️- معسكر عريفجان: مركز رئيسي للقوات البرية.
2️- قاعدة علي السالم الجوية
3- مواقع دعم قرب الحدود العراقية
عدد القوات: أكثر من 13,500 جندي
‼️البحرين:
قاعدة الجفير البحرية (المنامة): مقر الأسطول الخامس الأمريكي منذ 1995، وتشكل مركز العمليات البحرية في الخليج.
‼️السعودية:
1️- قاعدة الأمير سلطان الجوية (الخرج): أعيد تفعيلها عام 2019، وتضم منظومات دفاع جوي مثل باتريوت وثاد.
2️- قاعدة خميس مشيط: تُستخدم أحياناً كتسهيلات مشتركة.
الوجود الأمريكي فيها مرن ومتغير حسب الأزمات.
‼️الإمارات:
1- قاعدة الظفرة الجوية (أبو ظبي): مركز رئيسي للطائرات المتقدمة والاستطلاع.
2- موانئ الفجيرة وجبل علي: مراكز دعم لوجستي للأسطول الأمريكي.
‼️سلطنة عمان:
لا توجد قواعد دائمة، لكن هناك تسهيلات في صلالة، مسقط، ثمريت، والدقم كما اشرنا سابقا.
‼️العراق:
1️- قاعدة عين الأسد (الأنبار): من أكبر القواعد الأمريكية.
2- قاعدة أربيل الجوية
وجود أقل في قواعد مثل بلد والتاجي بعد 2020.
‼️ سوريا:
1️- قواعد في الشمال الشرقي (الحسكة ودير الزور) لدعم “قوات سوريا الديمقراطية”.
2️- قاعدة التنف قرب الحدود مع الأردن والعراق.
‼️ الأردن:
1️- قاعدة الأزرق الجوية
2️- قاعدة موفق السلطي وتستخدم كنقطة دعم لعمليات العراق وسوريا.
رابعاً: لماذا هذا الانتشار الكثيف؟
يمكن تلخيص الأهداف الرئيسية في الآتي:
1️- تأمين الطاقة العالمية
حماية تدفق النفط وتأمين مضيق هرمز، باعتباره شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي.
2️- احتواء إيران (كان هذا في الماضي أما الان فالهدف ضربها وتدميرها)
التوزيع الجغرافي للقواعد يُظهر بوضوح أنها تشكل طوقاً عسكرياً يحيط بإيران ويعمل كأداة ردع.
3️- حماية إسرائيل
الوجود العسكري يوفر دعماً لوجستياً وعمقاً استراتيجياً للعمليات المرتبطة بأمن إسرائيل.
4️- السيطرة على طرق التجارة
القواعد البحرية تضمن السيطرة على الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
5️- إدارة الحروب والعمليات الإقليمية
تُستخدم القواعد لإدارة عمليات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة في العراق، سوريا، واليمن، وأفغانستان سابقاً.
خامساً: لصالح من هذه القواعد العسكرية والحضور الأمريكي الكثيف في المنطقة؟
تخدم:
المصالح الاستراتيجية الأمريكية (الهيمنة، الطاقة، الردع)
أمن إسرائيل
النظام الدولي الذي تقوده واشنطن
ولا تخدم بالضرورة:
أمن دول الخليج
الاستقرار طويل المدى في المنطقة
ماذا كشفت الحرب الحالية بالنسبة لهذا التواجد العسكري الكثيف في المنطقة؟!
1- وجود هذه القواعد لم يحم دول الخليج.
2- وجود هذه القواعد بات عبئا على دول الخليج وجعلها طرفا مباشرا في الحرب الأمريكية-الاسرائيلية على إيران
3️- نشر الفوضى والخراب والدمار وعدم الاستقرار في المنطقة
ولو سلمنا يأن الكيان يتحكم في السياسة الأمريكية، كما يعرف الجميع، تصبح النتيجة المنطقية أن الكيان هو من يتحكم في هذه الشبكة العسكرية التي تطوق العالم العربي.







