صدر كتاب “المشاركة لا المغالبة: الحركات الإسلامية والسياسة في العالم العربي” للمؤلف ناثان ج. براون عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر في بيروت بالاشتراك مع مركز كارنيغي للشرق الأوسط، بترجمة سعد محيو، في 13 فبراير/شباط 2012.
الكتاب هو ترجمة للنسخة الأصلية الصادرة عن Cornell University Press بعنوان “When Victory Is Not an Option: Islamist Movements in Arab Politics”، ويقع في 366 صفحة في نسخته العربية، ويُصنَّف ضمن حقل السياسة المقارنة والدراسات الإسلامية وتحليل الحركات السياسية في الأنظمة شبه السلطوية.
مقدمة
يعدّ كتاب ناثان براون واحداً من أبرز المراجع الأكاديمية التي تحاول فهم ديناميكيات الحركات الإسلامية المعتدلة في العالم العربي، وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن والكويت وحركة حماس في فلسطين.
ينطلق براون من ملاحظة جوهرية: أن هذه الحركات اختارت منذ عقود استراتيجية “المشاركة الانتخابية” بدلاً من “المغالبة” الثورية، لأنها أدركت أن الانتخابات في الأنظمة شبه السلطوية ليست وسيلة للوصول إلى الحكم، بل وسيلة للبقاء والتمدد والتأثير.
لكن الكتاب، الصادر قبل أشهر من انقلاب 3 يوليو 2013 في مصر، لم يستوعب تماماً ما جرى لاحقاً من انقلاب الجيش المصري على أول رئيس منتخب ديمقراطياً، محمد مرسي، وتحالُف بعض العواصم الخليجية ورأس المال الخليجي مع هذا الانقلاب لتصفية الحركة الإسلامية المعتدلة.
تفرض هذه المراجعة النقدية، على الرغم من تقديرها العميق لأطروحات براون التحليلية، إعادة فتح ملف “المشاركة لا المغالبة” على ضوء ما جرى بعد 2013.
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
يجمع براون في كتابه بين تحليل نظري رصين وأبحاث ميدانية مقارنة، ليخلص إلى أن الحركات الإسلامية في الأنظمة شبه السلطوية تشارك في العملية السياسية دون توقع الفوز، وتتكيف تنظيمياً وأيديولوجياً بشكل محدود ومتدرج، مع الاحتفاظ دائماً بـ “خط تراجع” يسمح لها بالانسحاب إذا اشتد القمع.
يرى براون أن هذه الحركات تعيش في “منطقة رمادية” بين القبول والمقاومة، وهي ليست أحزاباً ديمقراطية كاملة، وليست حركات ثورية رافضة، بل كائنات سياسية حية تتطور ببطء وتمتلك عقلانية استراتيجية في التكيف مع حدود النظام.
أهم فصول الكتاب ومضمونها
الفصل الأول: الحركات “شبه السياسية” في أنظمة شبه سلطوية
يضع براون الأساس النظري للكتاب، موضحاً أن الأنظمة شبه السلطوية تسمح بوجود مؤسسات انتخابية وبرلمانية، لكنها تحتفظ بالسلطة الحقيقية في يد النخبة الحاكمة، مما يجعل الحركات الإسلامية “شبه سياسية” – ليست أحزاباً كاملة ولا حركات ثورية .
يقول براون في هذا السياق: “الفوائد غير المؤكدة تؤدي إلى تغييرات غير مؤكدة. فالحركات الإسلامية تتكيف تنظيمياً وتنحني أيديولوجياً، لكن بشكل محدود”.
الفصل الثاني: الترشح للخسارة: الانتخابات، الاستبداد، والحركات الإسلامية
يحلل هذا الفصل سبب إصرار الحركات الإسلامية على خوض انتخابات تعلم مسبقاً أنها لن تفوز فيها، ويجيب بأن المشاركة تمنحها شرعية، ومنصة جماهيرية، وقدرة على اختبار قدراتها التنظيمية، كما أن الانسحاب قد يكون مكلفاً سياسياً.
الفصل الثالث: ما وراء المقارنات التبسيطية: الحركات الأيديولوجية والجدل حول أولوية السياسة
يرفض براون فيه القوالب الجاهزة للمقارنة بين الإسلام السياسي والأحزاب الشيوعية أو الديمقراطية المسيحية في أوروبا، داعياً إلى قراءة السياق العربي الخاص بخصوصيته.
الفصل الرابع: النموذج والحركة الأم: الإخوان المسلمون
يُخصص براون هذا الفصل لدراسة جماعة الإخوان المسلمين كمصدر إلهام تنظيمي وأيديولوجي لمعظم الحركات الإسلامية في العالم العربي، ويتتبع انتقال نموذجها من مصر إلى الأردن والكويت وفلسطين مع تكيفات محلية مختلفة.
الفصل الخامس: النموذج في التطبيق: أربع حالات شبه سلطوية
هذا هو جوهر الكتاب التحليلي، ويدرس أربع حالات: مصر تحت حكم مبارك وبعد الربيع العربي، والأردن في ظل النظام الملكي، والكويت في نظام برلماني نسبي، وفلسطين حيث تخوض حماس الانتخابات في سياق احتلال وانقسام.
الفصل السادس: هل تستطيع الحركات الإسلامية أن تتحول إلى أحزاب؟ المشاركة السياسية والتغير التنظيمي
يسأل براون عن التغيرات التنظيمية التي تطرأ على الحركات الإسلامية عند المشاركة السياسية، ويجيب بأن التغيير يحدث تدريجياً، مع احتفاظ الحركة بهوية مزدوجة: دعوية وسياسية في آن واحد.
الفصل السابع: التغير الأيديولوجي: مغازلة والتزام
يميز براون بين “المغازلة” الأيديولوجية و”الالتزام” الجذري، ويرى أن الحركات الإسلامية قد تتبنى خطاباً معتدلاً مؤقتاً، لكنها تحتفظ بجوهر أيديولوجي يمكن العودة إليه إذا تغيرت الظروف.
الفصل الثامن: السياسة والمجتمعات العربية كما قد تكون
ينتقل براون من التحليل الحالي إلى التطلع للمستقبل، متسائلاً عن إمكانية تحول الأنظمة العربية نحو ديمقراطية أكثر واقعية، ودور الحركات الإسلامية في هذا التحول.
الفصل التاسع: الأحزاب الإسلامية والأنظمة السياسية العربية كما هي
في الفصل الختامي، يخلص براون إلى أن العلاقة بين الحركات الإسلامية والأنظمة تتميز بـ “المشاركة لا المغالبة”، وهي معادلة قد تكون مستقراة إلى حد ما، لأن الأنظمة تحصل على شرعية دولية، والحركات على منصة وشرعية شعبية.
اقتباسات من الكتاب
“الفوائد غير المؤكدة تؤدي إلى تغييرات غير مؤكدة. فالحركات الإسلامية تتكيف تنظيمياً وتنحني أيديولوجياً – لكن بشكل محدود.”
“المشاركة لا المغالبة: تشارك دون أن تتوقع الفوز، والأنظمة تسمح بالمشاركة دون أن تسمح بالفوز.”
“الحركات الإسلامية كائنات سياسية حية تتكيف مع بيئتها، ومشاركتها الانتخابية ليست مجرد ذريعة للوصول إلى السلطة.”
“العلاقة بين الأنظمة والحركات هي لعبة قط وفأر تعكس طبيعة الأنظمة شبه السلطوية التي تسود العالم العربي.”
أهمية الكتاب
يُعدّ “المشاركة لا المغالبة” مرجعاً أساسياً لفهم ديناميكية الإسلام السياسي في الأنظمة شبه السلطوية، ويقدّم تحليلاً معمقاً يقوم على دراسة حالات مقارنة بدل التعميمات الفضفاضة.
من أهم إسهاماته أنه يصحح الصورة النمطية عن “الإسلام الموحد”، ويُظهر تنوع الحركات الإسلامية وتفاوت استجاباتها للظروف المحلية .
كما يبتعد الكتاب عن التصنيفات الثنائية المبسطة بين “المعتدل” و”المتطرف”، ويقدّم قراءة أكثر تعقيداً لسلوك هذه الحركات، معتمداً على منهجية علمية تجمع بين التحليل السياسي والنظريات التنظيمية.
نقد الكتاب
على الرغم من قيمته الأكاديمية الكبيرة، يظل الكتاب محكوماً بسياقه الزمني، إذ صدر قبل أشهر قليلة من انقلاب 3 يوليو 2013 في مصر.
هذا الانقلاب الذي قاده عبد الفتاح السيسي ضد أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً، محمد مرسي، كشف هشاشة معادلة “المشاركة لا المغالبة”، وأظهر أن بعض الأطراف الإقليمية لم تكتف بعدم السماح للحركات الإسلامية بالفوز، بل سعت إلى تصفيتها سياسياً وجسدياً .
من الانتقادات الجوهرية للكتاب أنه ركّز كثيراً على حركة الإخوان المسلمين كنموذج على حساب تنوع التيارات الإسلامية الأخرى، ولم يولِ اهتماماً كافياً للديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية الأوسع التي تؤثر في سلوك هذه الحركات.
كتب مشابهة
من الكتب التي تتقاطع مع هذا العمل: كتاب “بين الدين والسياسة: الإسلاميون في البرلمانات العربية” لناثان براون وعمرو حمزاوي (2010)، وكتاب “الجدل حول الإسلام بعد إحياء السياسة العربية” لناثان براون (2016)، وكتاب “المستبدون لا يحصلون دائماً على ما يريدون” (2024) بالاشتراك مع باحثين آخرين .
ربط الكتاب بالواقع الآن
ما جرى في مصر بعد 2013 يقدّم دليلاً مأساوياً على أن “المشاركة لا المغالبة” لم تكن دائماً خياراً استراتيجياً حكيماً للحركات الإسلامية المعتدلة، بل أصبحت في لحظة معينة خياراً وجودياً.
فقد أُطيح بالرئيس المنتخب ديمقراطياً محمد مرسي في انقلاب عسكري دموي، وارتُكبت مذبحة رابعة في 14 أغسطس 2013، التي راح ضحيتها أكثر من 800 قتيل وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش، وقدرت بعض المصادر أن العدد تجاوز 5 آلاف.
هذه المذبحة كشفت أن “المشاركة” التي راهن عليها براون كاستراتيجية للبقاء والتطور لم تحمِ الحركة من التصفية عندما قررت قوى إقليمية معادية للإسلام السياسي المعتدل استخدام رأس المال الخليجي لدعم الانقلاب العسكري .
الدعم الخليجي للانقلاب المصري، وخصوصاً من الإمارات والسعودية والكويت، تجاوز 12 مليار دولار، بحسب أرقام موثقة، مما يجعل من الصعب القول إن الحركات الإسلامية فشلت فقط في لعبة “المشاركة لا المغالبة”، بل إن النظام الإقليمي قد رفض منحها حتى حق الخسارة الشريفة في الانتخابات .
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
ناثان ج. براون (Nathan J. Brown) باحث أمريكي الجنسية، وأستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن.
وهو باحث بارز غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وحاصل على زمالة غوغنهايم عام 2013، كما شغل منصب رئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط (MESA) بين 2013 و2015 .
من أبرز مؤلفاته: “المشاركة لا المغالبة” (2012)، “الجدل حول الإسلام بعد إحياء السياسة العربية” (2016)، “الدولة البطيئة، المجتمع المضطرب: مصر في العصر الحديث” (2021)، و”المستبدون لا يحصلون دائماً على ما يريدون” (2024) .
الكتاب في ميزان الإسلام
الكتاب ليس كتاباً في العقيدة أو الفقه الإسلامي، بل هو كتاب في التحليل السياسي المقارن، ومن هنا فإن تقييمه في “ميزان الإسلام” يظل محدوداً من حيث الموضوع.
لكن من منظور إسلامي، يمكن القول إن براون ينظر إلى الحركات الإسلامية بوصفها “كائنات سياسية” تسعى إلى التكيف والبقاء، وليس بوصفها حاملي مشروع حضاري ديني متكامل.
هذه النظرة الوظيفية لا تتعارض مع كونه باحثاً غير مسلم يدرس ظاهرة سياسية معقدة، لكنها لا تغني عن الحاجة إلى مقاربة إسلامية شاملة لفهم هذه الحركات من الداخل، بمبادئها وقيمها وأهدافها الاستراتيجية.
المشاركة لا المغالبة
يظل “المشاركة لا المغالبة” كتاباً مرجعياً في مجاله، لكنه يحتاج اليوم إلى قراءة نقدية جديدة في ضوء انقلاب الجيش المصري على الديمقراطية، ودعم رأس المال الخليجي لهذا الانقلاب، وارتفاع صوت السلفية الجهادية، وتطور تجارب حركات إسلامية معتدلة في المشهد العربي.
هذه القراءة الجديدة لا تنفي قيمة ما قدمه براون، بل تُكمل الصورة، وتفتح السؤال الأصعب: هل يمكن للحركات الإسلامية المعتدلة أن تنجو في بيئة تجمع بين استبداد داخلي وضغط إقليمي مالي وعسكري؟


